ميلود لقاح

شاعر من المغرب

مسجـد الكتبية: درّة المكان ومفخرة الزمان

ماذا تعرفون عن مسجد الكتبية؟ تعالوا لنكتشف تاريخه وقصته!

لا تُذكرُ مدينة مُراكش إلا ويُذكر معها مسجد الكتبية، وهو من أعرق مآثر المدينة الحمراء وأشهر معالمها الحضارية، تطل صومعته شامخةً بسحرها الأندلسي على ساحة جامع الفنا الشهيرة وسط المدينة، وهي تُرى من جُلِّ الشوارع، وعلى بُعد ثمانين كيلو مترًا من المدينة، وتقع في الزاوية الشّمالية الشرقية للمسجد.

أما طولها فيبلغ سبعة وسبعين متراً، وقاعدتها مربعةُ، وطول كل ضلع منها 12,80 متراً، وتتميز واجهاتها الأربع بزخارف هندسية من الإفريز الخزفي المصبوغ بلون الفيروز.

روى ابن بطوطة أنه صعدها ورأى المدينة كلها، وقال: "لا يوجد مثلها في العالم الإسلامي".

وقد بنيت صومعة الكتبية بالحجر الرملي النضيد، الذي جُلِب من جبل جيليز (وسط مدينة مراكش حالياً)، فيما بُني أعلاها بالحجر الصغير والآجُر في جزئها العلوي لتخفيف وزنها وحفظ صمودها، يغطيها طلاء كلسي زُيِّن بخطوط التقاء وهمية تُظهر جمالاً وتغطي بعض عيوب تقطيع الأحجار. وقد تم تشييدها على غرار منارتَيْ حسَّان بالرباط ومنارة مسجد الخيرالدا Giralda في إشبيلية.

يعد مسجد الكتبية الذي اشتهر باسم (جامع الكتبية)  - نسبة إلى سوق الكُتبيين الذي كان يشتغل فيه بائعو الكتب والخطّاطون في جوار المسجد -  أحد أبرز المعالم الحضارية في المغرب، وأيقونة مدينة النخيل الحمراء، شُرع في بنائه سنة 1070م بعد أربع سنوات من قيام دولة المرابطين (1147/1042م)، فيما تم تشييده على شكله الذي هو عليه اليوم، في عهد الموحدين (1125م - 1269م) سنة  1158م بأمر من الخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي الكومي (487 - 558هـ)، الخليفة المؤسس لدولة الموحدين).

جاء في كتاب (الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى) لأحمد بن خالد الناصري "... وأمر عبد المومن ببناء المسجد الجامع بحضرة مراكش، فبدأ ببنائه وتأسيس قبلته في العشر الأول من شهر ربيع الآخر سنة 553 هجرية، الموافق لشهر ماي 1158 وعمل في منتصف شعبان من السنة المذكورة على أكملِ الوجوه وأغرب الصنائع، وأفسح المساحة، وأحكم البناء والنجارة، وفيه من شمسيات الزجاج ودرجات المنبر وسياج المقصورة ما لو عمل في السنين العديدة لاستغرب تمامه، فكيف في هذا الأمد اليسير الذي يتخيل أحد من الصناع أن يتم فيه تقديره وتخطيطه فضلاً عن بنائه، وصُلِّيتْ فيه الجمعة منتصف شعبان المذكور".   

ويمتد المسجد على مساحة 5300 متر مربع، ويتوفر على إحدى عشرة قُـبًّة مزدانة بالنقوش، وسبعة عشر جناحاً، وقاعة للصلاة مستطيلة الشكل بها زخرفة، ويتوسطه فناء محاط بأشجار شامخة، فيما غُطِّيَ ما حوله بقرميد ورديٍّ وتُوِّجت أروقته بأقواس أندلسية.

ويزيد عدد أعمدة الجامع عن 400 ما زالت تحتفظ بالأصالة التي تُظهر مَهارة الصانع والفنان المغربي، حيث تعلو هذه الأعمدةَ تيجانٌ متنوعة غنية بالزخارف، وتبعاً لذلك فمسجد الكتبيـة يعدُّ متحفاً للأعمدة والتيجان التي يمكن اعتبارها أعمالاً فنية لا نظير لها في الفن المغربي.

أما منبره الذي يعد من روائع فن النجارة الإسلامية؛ فقد تم صنعه في قرطبة بدايةَ القرن الثاني عشر الميلادي بأمرٍ من السلطان علي بن يوسف بن تاشفين (476 هـ/1083 م - 537 هـ/1143 م) (خامسِ حكام دولة المرابطين في المغرب والأندلس)، ونُقل إلى الكتبية سنة 1150م، وهو يتكون من قطع قابلة للتفكيك، ومزوّدٍ بنظام آلي للحركة، ومرفوع فوق عجلات صغيرة، مما يسمح بإخراجه يوم الجمعة بطريقة آلية.

ويصل طول هذا المنبر إلى ثلاثة أمتار وستّةٍ وأربعين سنتمتراً (3.46 م)، وعرضه إلى تسعين سنتمتراً. وهو مرصّع بمختلف أنواع الخشب والعظم، تَتَبَّعَ الصانعُ في ذلك تقنية تعود إلى الفترة القديمة التي مورست في الإسلام منذ الفترة الأموية. ويشتمل المنبر أيضاً على مجموعة من اللوحات الخشبية المنقوشة بدورها، بتقنية تقترب من نقش اللوحات العاجية الأندلسية.

يذهب المؤرخون إلى أن هندسة جامع الكتبية اعتُمدت تأثُّراً بالحضارة الفاطمية؛ حيث عُرف الفاطميون بالبلاطات العمودية لحائط القبلة والمضخمة بالقباب في نهاية القرن العاشر الميلادي، كما صُمِّم رواق القبلة بقببه الخمس لجامع الكتبية بشكل يجعله يلتقي بالرواق المحوري، وهذا من خصائص إبداع العمارة الموحدية.

كما عرف جامع الكتبية بيعة العديد من السلاطين، وشهد عدداً من الأحداث التاريخية المفصلية. وكان، وما زال، يؤدي دوراً ثقافياً ودعويّاً إلى يومنا هذا؛ حيث يأتيه الناس من كل أقطاب البلاد للصلاة فيه والاستماع لقراءة أئمته المتميزين، لذلك اعتُبِر هذا المسجد أحد المساجد الجامعة التي شكلت مؤسسة دينية وسياسية هامة ضمن مؤسسات الدولة التي لعبت دور الإعلام والتبليغ والتأطير في الوقت نفسه.


سفيـر العمـارة المغربيـة في الهنـد

مسجـد الكتبية: درّة المكان ومفخرة الزمان
مسجـد الكتبية: درّة المكان ومفخرة الزمان

افتُتح سنة 1930 في مدينة كابورثالا Kapurthala الهندية مسجدٌ بطراز معماري مغربي، استغرق ثلاثة أعوام من البناء تنفيذاً لرغبة "المهراجا (أمير هندي) جاكا تجيت" أحد الأغنياء الهنود.

فقد زار الرجل مدينة مراكش قبل أزيد من ثمانين عاماً، وأعجب إعجاباً كبيراً بمسجد الكتبية وصومعته العظيمة، فقرر إنشاء معلمة مشابهة له في المدينة الهندية وبعمارة مغربية صرفة من تصميم مهندس فرنسي.

وقد كلف بناء مسجد الكتبية في الهند 400 ألف روبية.

واستقبل يومَ افتتاحه أكثر من 100 ألف مُصَلٍّ، فشكل رابطة قوية بين الهنود والتراث المغربي العريق.

وحظي المسجد منذ ذلك الحين بمكانة هامة لدى مسلمي الهند، وأيضاً لدى السياح الأجانب من مختلف الديانات، الذين كانوا ومازالوا يقصدونه لاكتشاف معلمة يمكن اعتبارها سفيرة الثقافة المعمارية المغربية الأصيلة بامتياز.

يقول جاسجيت سينغ، أحد أفراد العائلة المالكة للمسجد: "المهراجا جاكا تجيت كان يبحث عن شيء فريد، وخلال رحلته إلى المغرب زار مدينة مراكش وانبهر بمسجد الكتبية، أحد أشهر المساجد في العالم. فعلاً إنه مسجد مذهل!".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]