عبد الوهاب الملوح

كاتب وشاعر من تونس

أدب الطفل ... استثمار أيديولوجي وتجاري؟

يلاحظ أن الاهتمام بأدب الأطفال يستبطن منفعة ورغبة في الاستثمار الأيديولوجي والتجاري.

يندرج أدب الأطفال ضمن الكتابة الإبداعية عموماً وهو جنس أدبي شأنه شأن بقيّة الأجناس الأدبية، حيث يرتكز على الجمالية بما تشترطه من موهبةٍ وأسلوبٍ مُتميّز بالسَلاسة والإنسيابية، وما تستدعيه كذلك من معجمٍ لغوي متفرّد نقيّ الذوق وعميق الدلالات ومُتيسّر الفَهم. وذلك كله ضمن إيقاع يُجاري نفسية الطفل وينسجم مع ما يزخر به من طاقاتٍ تخييليةٍ وذهنيةٍ عفويةٍ متفاوتةٍ لا يمكن ضبْطها أو تكّهنها.

تتوجّب الكتابة للأطفال امتلاك أدوات البيداغوجية وتنطلق من فَهْمٍ مخصوص لنفسيّة الطفل ومراحل نموّه، وما قد يستوجبه من التماهي مع عوالمه ومناخاته بشكلٍ يضمن حُسن استقباله للنصّ والتفاعُل الإيجابي معه  تفاعُلاً خلاّقاً.

ليس المقصود هنا بالبيداغوجيا عِلم التربية كما هو منصوص عليه في أساليب التعلّم والتعليم. فالكاتِب ليس مُدرِّساً ولا يجب أن يكون كذلك، لكن عليه أن يفهم شخصية الطفل ويُدرِك ويعي ما تتطلّبه هذه الشخصية في مختلف مراحل نموّها من إدراكات وتحسّسات وتفاعُلات.

هذا التفاعُل المُرتَقب لا بدّ من أن تكون أهدافه مُحدَّدة مُسبقاً، فلا إبداع مجاني ولا إبداع رؤيوي مع الأطفال. الإبداع هنا ينطلق من عالم الأطفال ويعود إليهم، قائم أساساً إما على استنفار الطاقة التخييلية الكامِنة في الطفل، أو على تقديم الواقع بشكلٍ جمالي  من أجل إيصال مجموعةٍ من القِيَم الإنسانية.

وعليه، فإن الإبداع الأدبي الموجّه للطفل معني باصطفاء أرقى القِيَم ومعني بتقريبها من ذهنية المُتلقّي بشكلٍ يتبنّاها ويؤمن بها متمثّلاً إياها في علاقاته مع الآخرين وفي تشكيل مستقبله.

حول هذه النقطة، أي ترسانة القِيَم والمبادئ والدفاع عنها بشراسة، تتحدّث الأستاذة زهرة الظاهري للصفحة الثقافية في الميادين نت عن تجربتها في الكتابة للأطفال قائلة إن "قصة (إبنة الشهيد) كتبتها بدمي ودموعي. هي حكاية من صميم الواقع لتلميذة درَّستها وحدث أن استشهد أبوها. كانت في الفصل الدراسي حين كنت أذكّرهم بأن غداً سيكون يوم عطلة بمناسبة ذكرى الشهداء، وأنهم مطالبون بإعداد بحثٍ عن شهداء الوطن الذين قاوموا المُستعمِر، فكان جوابها بأنها ستعدّ بحثاً ليس عن شهداء التاسع من نيسان/أبريل فحسب، بل عن شهداء (ثورة الربيع العربي) أيضاً"، مُضيفة "لم تكن تعلم تلك الطفلة أنه في تلك اللحظة كان والدها في الصفوف الأمامية للجيش الوطني، يذود عن تراب الوطن حيث طالته يد الغدر والإرهاب، ولذلك كانت الحكاية، كثير من الواقعية محفوفة بخيالٍ أدبي سَلِس في متناول الأطفال واليافعين".


أدب الطفل والأدوات البيداغوجية

يزخر أدب الطفل بالعديد من الإنتاجات الجمالية والبيداغوجيا، وهو ما تؤكّده الباحِثة نجيبة بوغنده للميادين الثقافية شارِحة "لقد سعيت من خلال مجموعاتي القصصية التي كتبتها للأطفال إلى التركيز على الجانب التعليمي المُوازي لحياة الطفل، ودفعه لاسترجاع الكتاب بأسلوب بيداغوجي يُراعي حاجياته وفي نفس الوقت ينمّي لديه الجانب الوجداني في تواصله مع الآخر، والانفتاح على بيئةٍ ثانيةٍ تُثري تجربته".

لهذه الأسباب اختارت بوغنده للقصص حجماً كبيراً عن قَصْد، "إيماناً مني بدور الكتابة في تكوين شخصية الطفل وشغل أوقات فراغه بما ينفع، فعملت على الكتابة له انطلاقاً من واقعه وأغريته بدخول هذا العالم برسومٍ ملوّنةٍ وخطٍ غليظٍ مشكول مرفوق بشرحٍ للكلمات الصعبة، لتجاوز صعوبات القراءة التي يعاني منها جلّ أطفالنا نتيجة غياب الكتاب بالدرجة الأولى".
تصف بوغنده تركيزها على عالم الأطفال بأنه "تركيز واع، لما ألحظه من تأخّرٍ في الفَهْم وسوء في الخطّ وقلّة في الزاد اللغوي وصعوبات في الإنتاج الكتابي وانغلاق في التفكير، قد يؤدّي يوماً ما إلى الإرهاب الذي صار سِمة الفاقِدين للتوازُن الفكري وأحسب الكتاب جندياً يقف في وجه إرهاب هذا القرن".

هذا ما يؤكّد على أهمية وحساسيّة هذي الكتابة وضرورة التسلّح بالأدوات البيداغوجية الضرورية والوعي المعرفي باللحظة العُمرية للطفل، وهو ما تُشير إليه أستاذة العلوم الإنسانية في جامعات تونس هاجر الهداوي، مُعتبرة في لقائها مع الميادين الثقافية إن هذا النوع من الأجناس الأدبيّة لأنه يختصّ بمرحلة عُمريّة معيّنة هي الطّفولة، فإنّه "يقتضي جملة من الشروط تطال من مضامينه حتّى تنسجم وهذه الفترة التي يحتاج فيها صاحبها إلى ما ينمّي عقله ويصقل معرفته ويغرس فيه القِيَم الكونيّة، فضلاً عن أسلوبه الذي ينبغي أن يَرِد في قالب بنيويّ يوافق بدوره التملّك اللّغوي للطّفل، كي ينهل منه الإجابات المُمكنة عن كلّ ما يعلق بذهنه من استفسارات"، لكن هذا في الوقت عينه يتطلّب أن "لا نغفل مُرسِل الخطاب الأدبي ذاته الذي ينبغي أن تكون له الخبرة في مُراعاة النواحي النفسيّة والإدراكيّة لمُتلقّيه الصّغير، كي ينفذ إلى روحه وخياله، ويحثّه على القراءة والاطّلاع".


دسائس إيديولوجيّة وتزييف الوعي؟

أدب الطفل ... ما له وما عليه
أدب الطفل ... ما له وما عليه

لكن هذا النوع من الأدب، لا يزال يحتمل أكثر من وجهة نظر، فالخبير التربوي منجي سليمان يُبدي من ناحيته الكثير من المُلاحظات حول أدب الطفل مؤكّداً للميادين الثقافية أن "الكبار يكتبون للصّغار الكبار. يكتبون وفي كتاباتهم هواجسهم وفي كتاباتهم دسائسهم الإيديولوجيّة".

يُقدّم سليمان مثالاً عن ذلك يتمثّل في نصّ مصطفى صادق الرّافعي (لي ولد وحيد أريد أن أترك له ثروة الفكر والأدب، ثروة خير من الفضة والذّهب)، حيث يصفه بأنه "نصّ حامل لفكر إيديولوجيّ داعِم للبرجوازيّة ودافِع للرّضاء بالواقع (تزييف الوعي الاجتماعيّ).

هذا نصّ كُتِب في بداية القرن العشرين، ولا يزال مُتداولاً في برامجنا التّعليميّة. بعض نصوص القراءة للأطفال في المغرب لا تخلو من الاندساس الإيديولوجيّ من نوع (بدأت الحفلة المدرسيّة بتلاوة آيات قرآنيّة ثم بعد ذلك قدّمت الفرقة الموسيقيّة عزفاً).

وهناك نصّ آخر في الجزائر لتلاميذ المرحلة الابتدائيّة يتحدّث عن انتخابات داخل الفصل فاز فيها الطّفل بالمرتبة الأولى بينما فازت الفتاة بالمرتبة الثّانية. عندما نتأمّل في إطار النّصّ وسياقه نلاحظ نزعة الفكر الذّكوريّ؟ كيف؟ في أغلب الأحيان عدد الفتيات أكبر من عدد الأطفال، وهذا يعني أنه لو صوّتت الفتيات للفتاة لكانت النّتيجة لصالحها".

يتساءل الخبير التربوي أيضاً عن السبب الذي يجعل الجهات التربوية المعنية في تونس تقدّم النّصوص الطّويلة خلافاً لما يجري في بعض الدّول الأخرى مثل المغرب وبلجيكا. فتونس وفق سيلمان، "تتقارب مع المنوال الفرنسيّ. النّصوص القصيرة يمكن السّيطرة عليها خيراً من النّصوص الطّويلة. نحن في حاجةٍ إلى مَن يكتب للأطفال. نجد صعوبة كبيرة في اختيار نصوص للامتحانات. هل أدب عبد الحميد بن هدّوقة (بان الصّبح) الّذي كتبه في زمنه صالح كمادّة لتقديمه لأطفال هذه الأمّة الضّنكاء؟ كما أن هناك مُعضلة أخرى، وهي أن أدب الخمسينات والأربعينات لا يزال هو المُتداوَل في قصص الأطفال (زوجة أبي الشّريرة، الكنوز، صار غنيّاً من تعب، ومن دون عرق)".


استثمار عالم الطفل تجارياً

ازدهر أدب الأطفال في تونس، إضافة لما تزخر به واجهات المكتبات والأكشاك من قصص للأطفال. ظهرت مجلاّت وأضحت هناك نواد أدبية للأطفال، بل ومُلتقيات متعدّدة مُخصّصة لهذا الغَرض، إلا أن المُتابِع لكل هذا "الاهتمام بأدب الأطفال" سُرعان ما سيُلاحظ ما قد "تستبطنه" من "منفعة" ورغبة في استثمار الطفل من أجل غايات إما "أيديولوجية" أو "تجارية".

هذا ما صرّح به أحد الناشرين للصفحة الثقافية في الميادين نت طالباً عدم كشف اسمه ، قائلاً إن "الطفل سلعة سهلة التسويق وربحها مضمون". وعند سؤاله عن سبب اهتمامه الأكثر بالكتب الأدبية الموجّهة للطفل أجاب "لم تعد الناس تهتم بالأدب عموماً، وبوصفي ناشِراً اتّجهت إلى طباعة ونشر وتوزيع القصص الموجّهة للأطفال لأن الربح فيها مضمون، وهو ما جعلني الآن انتدب مجموعة من المؤلّفين لكتابة قصص للأطفال تجد رواجها بسرعة".

هل هذا يعني أنه تم "استعمار" عالم الطفل من قِبَل فئات تعتبره أرضاً بكراً ثريّة للفلاحة أيديولوجيا أو تجارياً؟

لا يمكننا الجَزْم بهذا، لكن هناك كتّاب يرون أن تجربة الكتابة للأطفال بمثابة بالون اختبار لهم في الساحة الأدبية، فضلاً عن أن طباعة كتاب للطفل لا تكلّف مثل كتاب شعر أو رواية. كما لا يستطيع أحد أن ينكر أهمية أدب الأطفال، لكن بقاءه رهن عقلية الاستثمار يُعدّ جريمة ليس في حق الثقافة والأدب فحسب، بل في حق الإنسان.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]