رنا زيدان

كاتبة فلسطينية مقيمة في لبنان

كلارا شومان ... الكاهنة العليا للموسيقى!

"ملكة البيانو"و "الكاهنة العليا للموسيقى"، لقبان خلعهما الجمهور عليها ... من هي كلارا شومان؟

"ملكة البيانو الأوروبية "، "الكاهنة العليا للموسيقى"، لقبان من مجموعة ألقاب خلعها الجمهور على كلارا شومان مؤلّفة وعازِفة البيانو الألمانية، وذلك في الحقبة التي لم يكن فيها للنساء حضور وازِن في عالم الموسيقى، باستثناء المطربات.

تفرّدت كلارا بموسيقاها وقدرتها على التأليف الموسيقي في القرن التاسع عشر، إلا أن مؤلّفاتها ظلّت مغمورة حتى النصف الثاني من القرن العشرين، حتى أصبحت واحدة من عازفي البيانو البارزين في العصر الرومانسي.

رافقت الموسيقى كلارا منذ ولِدَت في 13 أيلول/سبتمبر عام 1819 في لايبزيغ. والدها فريدريش ويك عالِم اللاهوت كان شغوفاً بالموسيقى إلى حدٍ جعله مُدرّساً لها، كما أنشأ مصنعاً للبيانو ومكتبة لإعارة النوتات الموسيقية. أما والدتها، ماريان ترومليتز، فكانت بدورها مغنّية كونشرتو وعازِفة بيانو مُحترفة.

لم تع كلارا شيئاً مثلما تعرّفت إلى الموسيقى منذ نعومة أظفارها. صحيح أن علاقة الوالدين مع ابنتهما لم تكن مثالية في سنوات الطفولة، إلا أنها كانت على قساوتها، أحد أسباب إبداع كلارا التي قالت: "عندما كنت طفلة، كان والداي منشغلين في أعمالهما الموسيقية، لذلك تركاني تحت رعاية مساعدة المنزل التي لم تكن تتحدّث بطلاقة، ما تسبّب بتأخّري في النطق، وبدلاً من الكلام، اعتدت على سماع الموسيقى ما جعل أذني أكثر حساسية للموسيقى".


لم يستمر زواج والدا كلارا طويلاً حيث انفصلا بعد ثماني سنوات. الوالد ويك لم يرَ في زوجته التي علّمها الموسيقى، إلا وسيلة لتدعيم صورته كمُدرّس موسيقى وهو ما ساعده في اتّساع شهرته. بعد الانفصال أصبحت كلارا وأشقاؤها الأربعة تحت الرعاية القانونية والعاطفية لوالدهم، في حين أن علاقتها مع أمّها ماريان اقتصرت على بعض الرسائل والزيارات المُتقطّعة بعد زواجها وانتقالها إلى برلين.

لم تحمل "كلارا" إسمها صدفة. أطلق والدها إسمها الذي يعني "لامع"، لأنه كان على يقين بأن ابنته ستصبح واحدة من أهم الموسيقيين وستلمع في هذا المجال. عاشت كلارا طفولتها إلى جانب والدها الذي كرّس نفسه لتعليم ابنته وتدريبها وذلك لتحقيق حلمه.هكذا بدأ بتنفيذ أولى الخطوات نحو حلمه، بعد أيام قليلة من عيد ميلاد كلارا الخامس، تماشياً مع فلسلفته التي قال فيها إن "التعليم الكامل، في المراحل الأولى في حياة الإنسان، ستكون له نتيجة في المستقبل". كان الوالد حازماً وحاداً في تدريسه الموسيقى لابنته التي تقضي ثلاث ساعات على الأقل يومياً في التدرّب على البيانو، وساعتين أخريين لدراسة الموسيقى نظرياً.

لاحقاً، أرسل فريدريش ويك ابنته لتتلقّى علوم الموسيقى والعزف على يد كبار الموسيقيين في ألمانيا. وبذلك أصبحت طريقة تعليمه لابنته بمثابة دعاية، اشتهر من خلالها بأسلوبه المُتمّيز لتعليم البيانو، والتي خرّجت الكثير من الموسيقيين مثل روبرت شومان، هانز جيدو وفون بولوف.

على النقيض من خلفيّتها الموسيقية، كان لشومان خلفيّة أكاديمية متواضعة تقتصر على القراءة والكتابة وعلى اللغتين الفرنسية والإنكليزية اللتن ستحتاجهما في جولاتها الموسيقية لاحقاً، لكنها في الوقت عينه بقيت مهتمة بقراءة أعمال موليير وفولتير وشكسبير وغيرهم.

مع مرور السنين، لقّبت كلارا شومان بـــ  "الطفل المعجزة" بعد ظهورها الأول في العام 1828، وكانت في التاسعة من عُمرها، بعدما قدّمت عزفاً مشتركاً مع تلميذة أخرى فيLeipzig Gewandhaus. أعجب الجميع بعزف كلارا حينها وأشادت الصحافة بموهبتها متوقّعة لها مستقبلاً مميّزاً، وهي التي تمتّعت بذاكرة حديدية جعلتها واحدة من القلائل الذين يعزفون من دون قراءة النوتة. بعد تلك المحطة المهمة في بداية مسيرة كلارا الموسيقية، أخذت تقوم بجولات في ألمانيا وفرنسا والنمسا، وإن تخلّلها تصرّفات قاسية بحقها قام بها والدها فريدريش، لكن كلارا اعتبرت صرامته معها نعمة لأنها جعلت منها مؤلّفة موسيقية أكثر صلابة.

على الرغم من قساوة الوالد فريدريش، إلا أنه كان مؤمناً بموهبة ابنته إلى أقصى الحدود. فقد كتب لصديقه "سيكون لديّ الكثير لأقوله لك حول المدرسة الرومانسية الجديدة التي فيها شوبان، بيكسيس والعديد من تلاميذي مثل روبرت شومان وبالطبع ابنتي كلارا". لكن على الرغم من اعترافه بموهبة الموسيقي روبرت شومان، رفض فكرة ارتباطه بابنته كلارا.


تعرّفت كلارا على روبرت شومان وهي في الحادية عشر، حين كان يتعلّم الموسيقى على يد والدها. العام 1836 كان علامة بارزة في حياة كلارا حيث اعترفا هي وروبرت بحبهما لبعضهما البعض وقرّرا الزواج رغم مقاومة والدها له وعمله على تدميره. فقد كان الأخير يعتبر أن روبرت شومان لم يزل مجرّد مؤلّف غير معروف على عكس كلارا التي طرقت أبواب الشهرة. لكن في النهاية، تزوّجا. عاش الموسيقيان حياتهما بسعادة تُرجِمت في أعمالهما الموسيقية المشتركة، فتقاسما أفكارهما واقتبس كل منهما من أعمال الآخر. عبّر روبرت شومان عن ذلك في مذكّراته "أكملني كمؤلّف، كما أفعل أنا، كل فكر لك يأتي من روحي، كما يجب عليّ أن أشكرك على كل موسيقاي".

لكن الزواج لم يكن كما تطمح كلارا. إذ بعد إنجابها لثمانية أطفال صارت مضطرة لتكرس وقتها بالكامل لأسرتها وإهمالها للموسيقى، وذلك أيضاً من أجل إفساح المجال أمام روبرت للعمل على موسيقاه. لم تبخل كلارا بإعلان احتجاجها في مذكّراتها قائلة "ليس لديّ ساعة واحدة في اليوم لنفسي، لا أستطيع ان أعزف أو أن أقوم بتأليف الموسيقى. الكثير من الأفكار العميقة في رأسي تضيع، أرغب أحياناً في ضرب رأسي الغبي". لكن مأساة تلبّست الحياة الزوجية، فبدّلتها. إذ أصيب روبرت شومان بمرضٍ في يده أقعده عن العزف، فعانت العائلة من ظروفٍ اقتصادية صعبة اضطرت معها كلارا إحياء الحفلات ومعاودة عزف مقطوعات زوجها التي ذاع صيتها في أوروبا. علاقة الموسيقيين استمرت في الاضطراب حتى تدهورت حال روبرت النفسية والعقلية فحاول الانتحار في العام 1854 بإلقاء نفسه في نهر الراين، لكن أنقذه صيّادون من الغرق في الماء الجليدي ليكمل حياته في مصحّة نفسية.


رغم ذياع صيت وشهرة كلارا الموسيقية والإبداعية، إلا أن النظرة العامة لوجود امرأة في عالم التأليف الموسيقي ظلت مرفوضة. حتى أن بعض نقّاد تلك الفترة أفصحوا عن عدم قدرتهم على نقد أعمال كلارا بجدية ... أما السبب فـــ "لأنه عمل قامت به امرأة".

وكذلك قائد الأوركسترا وعازف البيانو هانز جيدو فون بولوف، الذي قال حينها إنه لا يمكن أن توجد "مؤلّفة" لأن "المرأة والإبداع لا يجتمعان". تلك الثقافة الذكورية دفعت كلارا نفسها لتشكّك بموهبتها أحياناً "اعتقدت يوماً أن لديّ موهبة إبداعية، لكن تخلّيت عن هذه الفكرة في ما بعد. لا يمكن أن أصدّق أنني المرأة الوحيدة التي لديها هذه الموهبة، فما أقدّمه هو ما علّمني إياه أبي منذ صغري".


بعد وفاة روبرت شومان، استأنفت كلارا جولاتها الموسيقية لكنها توقّفت نهائياً عن التأليف، مُكرّسة قدراً كبيراً من الوقت للمهام المتعلّقة بعمل روبرت، بما في ذلك تحرير أعماله الفنية. في العام 1878، أصبحت كلارا المُعلّمة الرئيسية للبيانو في Hoch Conservatory في فرانكفورت، واستمرّت في التدريس حتى توفيت في فرانكفورت في 20 أيار/مايو 1896.

"اليوم بدأت العمل بموسيقاي مرة أخرى. أخيراً أستطيع العمل بانتظام. أشعر حقاً بوجودي. يبدو شعوراً مختلفاً تماماً. أنا أكثر حرية. كل شيء يبدو لي أكثر إشراقاً ومرحاً. الموسيقى، قبل كل شيء، قطعة من حياتي، وعندما أبتعد عنها أفقد مرونتي الجسدية والعقلية"، كتبت كلارا في مذكّراتها.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]