أفرورا عيسى

صحافية من سوريا

لفيروز في سوريا ... شارعها ومقاهيها!

داخل أيّ مقهى أو خارجه. في أيّ مكان يكاد لا يخلو أيّ صباح سوريّ من صوت فيروز.

فيروز .. صوت الملائكة الذي يرتّب صباحات السوريين

لفيروز قدسيّتها في قلوبِ السوريين. فيروز، أجملُ ما قد تقعُ عليه أذن. صوتٌ ملائكيٌّ لا يحدّه زمان ولا مكان، وأغانٍ وسمت عميقاً في الوجدان، ومعانٍ أسهمت في تكوين الذّاكرة الجمعيّة لكثيرٍ من السّورييّن.

لم تحظَ أيُّة مطربةٍ بمكانتها لدى السوريين، كما لم تجمع الآراء كما أجمعت على محبّتها فشكّلت حالة فريدةً من نوعها. هكذا صبغت فيروز أيّام السوريين بصباحاتها ومساءاتها، ولوّنت أحلامهم بألوان الطّيف السّبعة عدد أيّام الأسبوع.

وكما في دمشق العتيقة الّتي تحتضن في حاراتها القديمة قدم التّاريخ، الكثير من المقاهي والمطاعم الّتي تحمل أسماء أغاني فيروز في إشارةٍ إلى ارتباط السّوريين بالزّمن الجميل. حذت اللّاذقيّة حذو العاصمة فأطلقت على شارعٍ من شوارعها إسم "بنت الشّاويش". في هذا الشّارع تناثرت على جنباته مقاهٍ تحمل هويّة إسمه المأخوذ من أحد أفلام فيروز، وفي كلّ مرّة نمرّ من خلاله نقرأ أسماء تعود لأغاني فيروز كـــ  "صباح ومسا" و"أسامينا" و"سوا ربينا" و"سيلينا" و"كحلون" وغيرها.

فيروز و"شارعها" لوحةٌ تثير الذّاكرة وتترك في البال الأثر. شذا وهي من سكّان مدينة اللّاذقيّة ومن روّاد شارع فيروز تتحدّث للصفحة الثقافية في الميادين نت عن سبب تسمية الشّارع قائلة  "الشّارع إسمه شارع بنت الشّاويش. بعد فترة قصيرة أُطلِق عليه إسم شارع فيروز بسبب المقاهي التي انفتحت فيه"، مُضيفة إن أسماء المقاهي "مأخوذة من أغاني فيروز مثل صباح ومسا وسوا ربينا وأسامينا ووكحلون" ثم تشرح السبب بتسمية الشّارع إلى "قدسيّة فيروز الموجودة في وجدان السّوريين، ففيروز رفيقة الطّفولة والشّباب والكهولة. فيروز معنا في كلّ مراحل حياتنا".

هذا ما يؤكّده من جانبه فراس سليمان وهو مالك مقهى "أسامينا" والمحبّ للرّحابنة والمُتفائل دوماً بصوت السّيّدة فيروز.

"من المعروف التقارُب بين الشّعبين السّوري واللّبناني. السوريون يحبّون الرّحابنة. بدأوا بمقهى "صبح ومسا" ومن ثمّ "كحلون" و"أسامينا" و"سوا ربينا". هنا الناس يتفاءلون بفيروز والرّحابنة بشكل عام"، يتحدّث سليمان موضحاً أن إطلاق إسم فيروز على شارع المقاهي المذكور أتى بعد أن حملت هذه المقاهي أسماء مسرحيّات وأغان لفيروز، فأصبح الشارع مُتعارَف عليه بين الأهالي وسائقي سيارات الأجرة باسم "شارع فيروز".

لا يختلف الرأي كثيراً عند صاحب مقهى "صباح ومسا" سومر حاتم الذي تحدّث بدوره للميادين الثقافية "منذ 15 عاماً أفتُتِح هذا المقهى. أنتُقي إسمه ليكون للمقهى هويّة كاملة".

تلك الهوية التي أرادها حاتم توحي بها كل الكتابات المخطوطة على جُدران المقهى من الداخل، وهي مُنتقاة من أغانٍ لفيروز بالإضافة إلى صوَرها وصوَر زياد الرّحباني مُثبتة بين مساحة وأخرى. لا يتوقّف الأمر هنا، إذ يضجّ المقهى بموسيقى وأغانٍ لفيروز تصدح من الصّباح حتى المساء. لكن لماذا اختار حاتم الخوض في هذه التجربة؟

الاختيار تمّ على أساس أن نماذج المقاهي وخصوصاً بعد الحرب، "يتوجّه لشكل آخر من المقاهي غير الذي اعتاده السوريون والذي يشبه جيل الشّباب الحالي"، يقول حاتم مُعترفاً بــ "تنوّع أذواق الشباب من ناحية الموسيقى والفن وهو يحمل أكثر من هواية أو موهبة، لكن رغم ذلك تبقى فيروز عابِرة لكل الأجيال".

 


يُحيي المقهى كل عام عيد ميلاد السّيّدة فيروز وذلك بحفلٍ يضمّ نجوماً سورييّن وفِرقاً موسيقية سورية. "تكون إحتفاليّة كاملة بمناسبة عيد ميلاد فيروز فنغنّي كلنا لها. الاحتفال بعيد ميلاد السّيّدة فيروز منذ 15 عاماً حتّى اليوم  له خصوصيّة كأنّها فرد من عائلاتنا"، يقول صاحب مقهى "صباح ومسا" مشيراً إلى أن روّاد المقهى "عندما كنّا نستمع إلى أغاني فيروز المتعلّقة بالحرب اللّبنانيّة كنّا نتفاعل معها ونعيد هذه الأغاني ونعيش هذه الحال اليوم. فللأسف نحن عشنا ما غنّته فيروز وشعرنا أكثر بقيمة ما تغنّيه. خاصة عندما نسمع "وحدن بيبقوا" أو "البواب" وهما أصبحتا من الأغاني كبيرة الارتباط فينا كسورييّن".

في "صباح ومسا" يأخذ صوت فيروز روّاد المقهى إلى التاريخ الذي ترتبط فيه فيروز بسوريا. إذ عندما تغنّي "ياجبل البعيد" يتذكّر السوريون جبالهم وعندما تشدو "شايف البحر شو كبير" يستحضرون بحر اللّاذقيّة.

يرتاد المقاهي في "شارع فيروز" عدد كبير من السوريين الذين يأتون ليستمعوا إلى صوت فيروز ورؤية الهويّة البصريّة الموجودة هناك. كل شيء بسيط ويشبه فيروز المتواضعة والقريبة.

هذا ما تخبرنا عنه واحدة من زائِرات المقهى إذ تفصح "فيروز خليط من الحبّ والحرب وتمثّلنا. هي سفيرتنا. من الطبيعي أن آتي إلى المكان الذي يحمل إسمها وبعضاً منها. أنا من عشّاق فيروز".

داخل أيّ مقهى أو خارجه، في المنزل أو في السيارة أو في الشارع، يكاد لا يخلو أيّ صباح سوريّ من صوت فيروز وإيقاعات أغانيها. فيروز التي باتت أكبر من أية جنسيّة والمُتشعبّة ضمن تفاصيل حياة السوريين اليوميّة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]