عبد الوهاب الملوح

كاتب وشاعر من تونس

كتّاب المنافي ... ما هو الوطن؟

الكاتب كائن ترحّل وارتحال لا يستقرّ له مقام بأية جهة. يعيش "خارج المكان".

يقول موريس بلانشو: "الكتابة هي التساؤل قبل تخطّي العتبة حول القيود والأعباء التي يفرضها المكان". عادة ما يشعر الكاتب أنه في المكان غير المناسب ويسعى دائماً للبحث عن جهة ما تتّسع لرؤاه وتحتمل تصدّعات روحه، غير أنه ما إن يُغيّر المكان حتى يزيد شعوره بالغربة.

علاقة الكاتب بالمكان غامِضة ومُلتبسة، ولئن أفصح الكتّاب في مختلف الأجناس عن تعلّقهم الشديد بالوطن وأنه علّة وجودهم في هذا الكون إن لم يكن هو ذاته التي من خلالها يحيون.

الوطن هو كل هذا وأكثر بالنسبة للكاتِب المُبدِع فهو الهواء الذي يتنفّسه والحرية التي من خلالها يمارس وجوده كما يشاء ويطرّز أيام عمره وسنواته بما يجود عليه الوطن من إمكانية بقاء. لا حياة للفرد من دون وطن. فالذي لا وطن له هو في عداد الموتى.

هكذا يصوِّر الكاتب الوطن عادة. يتلقّى القارئ الوطن بوصفه قيمة إنسانية عُليا بما تحتمله هذه العبارة من رموزٍ متعدّدةٍ تعني الحرية، الكرامة، الأمان.

"في الواقع، لا أجدني في قولة موريس بلانشو"، يقول الأستاذ التونسي المُحاضِر في الجامعات السعودية محمّد نجيب عمامي للصفحة الثقافية في الميادين نت، ويُضيف "بيني وبين المكان ألفة أعتقد أنّي لولاها لا أكون قادراً على القراءة المركَّزة ولا على الكتابة أو الترجمة. ولا يُخفى أنّ هذه الأنشطة تفرض تركيزاً ذهنيّاً وتصالحاً مع النفس ومع المكان ومن يعمر. ولعلّ ما يخفّف عليّ أعباء القراءة والكتابة أو الترجمة شعوري أنيّ لا أكتب أو أترجم لنفسي فقط بل خاصّة لأساعد على نشر معرفة وتقريب أخرى بما أنّ الأجهزة النظريّة التي أشتغل بها غير عربيّة، وبما أنّ الأجيال الجديدة اختار أكثرها الانغلاق والاكتفاء باللغة الأمّ، وهي لغة- كما هو معلوم- لا تنتج المعرفة اليوم. وهكذا فرغم عيشي خارج وطني، تونس، فلا تصدّعات روح ولا منفى ولا إحساس بالغربة".

هناك كتّاب لا يفوّتون فرصة للتعبير عن عدم شعورهم بالارتياح في المكان فيكشفون عن نفورهم إلى درجة سعيهم للبحث عن مكانٍ آخر قد يظفرون فيه بالرضا النفسي ويتضاعف عندهم هذا الشعور إلى درجة أن يغادروا وطنهم إلى بلاد أخرى لا علاقة لهم بها، فيجدون أنفسهم في مهب أهوائهم حيث لا مكان لهم كما سبق وقال أبو العتاهية: طلبت المستقرّ بكل أرض فلم أجد لي بأيّ أرض مستقراً.

الكاتب كائن ترحّل وارتحال لا يستقرّ له مقام بأية جهة. يعيش "خارج المكان" على حد عبارة الراحل إدوارد سعيد. حول هذه النقطة يرى الشاعر المصري إبراهيم المصري المُقيم في الإمارات لما يقارب ربع قرن إن الأمر يتعلّق بالبحث عن الحرية. يفصح للميادين الثقافية قائلاً "وإن كان ثمة منفى بالفعل، فهو ليس الحاجة إلى مكانٍ مناسبٍ أو غير مناسب، وإنما الحاجة إلى الحرية بما هو شرط وجودي للإنسان منذ أن كان مشَّاءً في السافانا الأفريقية، إلى خروجِه مشَّاءً في قارات العالم".

لا ترتبط الحرية في رأي المصري بالمكان أو حتى بالمسافة وإنما باللغة، وذلك "يمكن أن نقول إننا في منفى حقيقي، يتمثل في خطورة الكلام أيَّاً كان شكله في العالم العربي بجميع بلدانه، وتلك هي المسافة التي حاولت دائماً في كل ما كتبت وما أكتب أن أوسِّعها وأجعلها أكثر رحابة، فيما بلدي في عقلي، أي اللحظة التي أكتب فيها، سواء أكنت في مصر أو في أبوظبي أو في أي مكان في العالم. وبهذا المعنى الأخير يمكنني أن أقول: إنني حافظت على نفسي حيَّة في الواقع وفي الكتابة".

غير أن الحرية تظل نسبية من شخص لآخر ومن زمان لزمان، ولذلك يرى الشاعر التونسي رضا العبيدي المُقيم في فرنسا في حديث للميادين الثقافية أن الأمر أعمق من مجرّد تعلّق لرقعة جغرافية ولكنه الإحساس بالغربة. فالأخيرة "ليست غربة المكان وإنما الغربة الحقيقية والأكثر قسوة، هي حين يجد الكاتب نفسه وسط محيط قاس لايرحم رهافة ذاته وشفافية مشاعره وفي واقع خشن يقابل ما ينتجه من جمال وما يصبو إليه من آمال بالنكران والتهميش والإقصاء".

من هنا تتولّد حال الاغتراب وتنمو بتفاقم الوعي الشقيّ برعب الهوّة الكبيرة بين الموجود والمنشود، وفق العبيدي حيث "يتعمّق الإحساس بالاختلاف و"الشذوذ" عن الآخرين الذين يغدون جحيماً بالمعنى السارتري. فهو يحيا بينهم. هو فرد منهم. لكن كصالح في ثمود".

الكاتب إذن هو اللامنتمي كما يصفه كولن ولسن. هذا الكائن الذي يشعر بغربته حيثما وجد وهو ما يؤكّده الكاتب السوداني أمير تاج السر المُقيم بانكلترا. تاج السر يرى في مداخلة مع الميادين الثقافية إن الشعور بالغربة عموماً هو "من أدوات الكتابة الثرية، فالكاتب قلق بطبعه، ويحسّ بالعزلة في معظم الأوقات خاصة أثناء مخاض الكتابة وولادتها، وهذا شيء طبيعي، ألا تأتي الكتابة في لحظة الاختلاط بالآخرين". لكن الغربة من ناحية أخرى "عزلة قد تكون خارجية وفيها لا يعثر الكاتب على أشيائه الحميمة التي ألفها، مثلاً حين يخرج من بلده إما إلى منفى أو اغتراب مؤقت، توجد تلك الأشياء الأليفة، ومنها الوجوه والشوارع والروائح، ويأتي الحنين ليوقد الأمر، وتأتي الكتابة الشفافة التي لا يبحث عنها أحد، ولكن تأتي وحدها. هذا يحدث، ويحدث أن يتم ثمة تقارب بين المنفى والمبدع، لكنه مجرّد تقارب وليس إلفة تامة. الغربة الداخلية، وهي حال ثابتة، هناك مَن ينساق لها كليّة، وهناك مَن يقاومها وهكذا، ونأتي هنا لنقول إن المنفى لا يشترط أن يكون بعيداً، ومن الممكن جداً أن يكون قريباً جداً، وداخل هواجس المُبدع".

هذا الرأي تؤيّده من جانبها الشاعرة المصرية زهرة يسري المُقيمة في فرنسا، التي قالت إن الإحساس بالغربة "يحمله الإنسان داخله، يحمله معه في حقيبة سفره مع ملابسه وأوراقه"، موضحة في حديث للميادين الثقافية "قد نشعر بالغربة أكثر من دون أن تسافر وأن تضع قدمك في بلد أخرى. فالغربة قد تكون عطشاً للمعرفة وللقِيَم الإنسانية وللعدالة، أتذكّر مقولة لنجيب محفوظ قال فيها إن (وطن المرء ليس مكان ولادته ولكنه المكان الذي تنتهي فيه كل محاولات الهروب).

يعيش الكاتب غربة مُضاعفة غربة المكان وغربته الداخلية. هكذا أمضى عبد الرحمن منيف عُمراً بين المطارات والمحطّات كاتباً عن الوطن ولا وطن له، متجاوزاً مجرّد إحساس بالغربة، وهو ما يفصح عنه الروائي التونسي المُقيم في فرنسا الحبيب السالمي. فالسالمي يكره كلمة الغربة. "أكره كلمات مثل الغربة والمنفى والحنين. إنها كلمات تنتمي إلى عصرٍ غابر. أنا هنا وهناك. أنا لست هنا ولست هناك. أنا بين الهنا والهناك. أحب هذه الإقامة الحرجة بين الهنا والهناك. الكاتب مُغترب سواء أقام أو ارتحل. كل كتابة هي انزياح تراجيدي"، وهنا يحسم السالمي "نعم، للكاتب وطن لكن هذا الوطن هو لغته. وسيوران يقول إننا لا نسكن بلداً وإنما نسكن لغة".

هذا ما تصرّ على تأكيده الشاعرة الفلسطينية المُقيمة في سويسرا منى العاصي، قائلة إن الوطن "هو ما أحسّه حين تغيب معاني طينه ويصير أغنية للمقابر، وسراباً للمنفيين قصراً ووجداً، وهو قريب حيث لا قرب وبعيد حيث البُعد كله".

للمنفى عند منى العاصي معنى آخر غير مجرّد ملجأ جغرافي إذ تضيف أنه "حقل الضباب الذي أنثر فيه بذور اليأس وأرعاها بالخراب الروحي ليشتدّ خشب وحشتها وتلمّني بالفراغ وبالخسارات التي تجاوزت المشهد اليومي لحياتي. من هنا باتت الكتابة بمعنى محو لشريط الذاكرة، وللتقدّم نحو الخسارة باعتبارها ذروة التعالي، أي الانتصار الإنساني على أوهام الألوهة، وباعتبارها هوية زمنية للتفاصيل يمكن مد البصر نحوها ولمس أثرها فيه". وذلك فإن "العلاقة المُتشنّجة مع المنفى (اليأس) تجتهد لصالح الشعر (اليأس أيضاً) والجالسة قرب قلبي بلا بحر ولا بر ولا سماء هي أنا".

لقد تحوّل هذا الإحساس عند بعض الشعراء إلى رفضٍ كلي للوطن والانتماء وهو ما يبوح به الشاعر العراقي صلاح فائق المُترحّل في أنحاء العالم. "مررت بتحولات كثيرة، فكرية ونفسية مما جعلني أخرج من لاهوت الغربة والمنفى. صرت مواطناً في هذا العالم وصارت الكتابة بيتي وحياتي"، يكشف فائق للميادين الثقافية قبل أن يضيف "ليست لديّ مشاعر غربة أو أعاني من منفى. فأنا أعيش هذا العالم والكون وأتمتّع بالطبيعة وحيواناتها خصوصاً. المحيط صديقي ويمنحني الكثير من الأوقات السعيدة وصوَرها الشعرية. أثناء وجودي في العراق لم يطبعوا لي أية مجموعة، وكان صعباً نشر كتاباتي لرفضي الانتماء إلى الجوقة الإعلامية والثقافية والأدبية الكئيبة. ومنذ خروجي استطعت كتابة ونشر أكثر من 35 مجموعة بلغاتٍ عدّة، درست الموسيقى وتعلّمت لغات وتمتّعت كثيراً بصداقات ورحلات. لقد تخلّصت من كوابيس الماضي وآثارها الرهيبة".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]