ألمى أبو سمرة

كاتبة سورية مقيمة في فرنسا

في عيدها ... هل ماتت لغتنا العربية؟

أيّ عزٍّ يستحقه قومٌ أضاعوا لغتهم؟ الذين وصفهم درويش قائلاً: عربٌ أطاعوا رومهم... عربٌ وباعوا روحهم... عربٌ وضاعوا!

دمشق في ربيع عام 2005، خفتت أضواء مسرح "المركز الثقافي العربي" مُعلنة بدء العرض. فُتحِت الستارة ليتركّز الضوء، كما أنظار الحاضرين، أساتذةً وأهالٍ وتلامذة، على مجموعة من اليافعين في إحدى جلسات الأصحاب، وقد تركّز نظر كل منهم على شاشة هاتفه المحمول. تبرَّع أحدهم في العثور على أغنية تُرضي الجميع. رغم أن كلاً منهم قد بدا سارحاً في عالمه الخاص، إلا أن ذلك لم يمنعهم من كسْر الصمت بين وقتٍ وآخر بجملٍ وأحاديث تخلو من الترابط، لا بل وتطغى عليها نفحة من السطحية والابتذال، حالها حال كلمات الأغنيات التي يحبّونها ويردّدونها، كما شابت أحاديثهم كلمات وعبارات من العاميّة المُحوّرة تأثراً باللغتين الإنكليزية والفرنسية.

حاول البطل إيجاد الأغنية المرجوّة بالمرور على محطّة إذاعية كانت تبثّ لحظتها أغنية "سكن الليل". طرب الحضور من الأهالي والأساتذة على الصوت الفيروزي والكلمات الجُبرانية وألحان محمّد عبد الوهاب: سكن الليل، وفي ثوب السكون تختبىء الأحلام... لكن ما كان من نجوم العرض إلا أن طلبوا من زميلهم تبديل الأغنية بسرعةٍ، وتثبيتها على أخرى تخاطبهم، وتتحدَّث بلغتهم.

في تلك الأثناء دخلت المسرح سيّدة قد يصعب تحديد عُمرها للوهلة الأولى، ترتدي عباءةً وغطاء رأس أبيضين يخفي إنحناء ظهرها. كانت تحمل بيدها جريدة يوميّة، تنظر إليها من خلال نظّارتها التي انزلقت حتى اقتربت من حافّة أنفها. أخذت تُقلِّب صفحات الجريدة، والتعب والألم باديان على وجهها.

استرعى مظهرها غير المألوف ببساطته بين ألوان وبريق ملابس هذا الزمن انتباه أحد الفتيان، فبادر إلى سؤال أصحابه بصوتٍ ربّما تخيّله هامِساً لم يُثِر انتباه السيّدة علّهم كانوا يعرفونها، فما كان منها إلا أن وضعت نهاية لحيرتهم وعرَّفت عن نفسها مُستشهدةً بأبياتٍ كتبها فيها الشاعر المصري حافظ إبراهيم علّه يفيها جزءاً من حقّها:

"أنا البحر في أحشائه الدّرّ كامِن ... فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي"

لقد كان شخص اللغة العربية مُتجسّداً أمام الحضور في تلك الأمسية. تابعت مُعاتبة أبنائها:

أرى كلّ يومٍ في الجرائد مزلقاً ... من القبر يُدنيني بغير أناةِ

فلا تَكِلوني للزّمان فإنني ... أخاف عليكم أن تحين وفاتي

في ذلك المساء استذكرت اللغة العربية "أيام عزّها". عندما كانت بلاد العرب تُقصَد لتعلّم لغتهم ولنهل علومهم، وكيف تغيب عن أبنائها كل المواضيع التي حملها الشعر العربي بمختلف مراحله، من الوجدانيّ إلى الوصفي بعَظَمة صوَره، إلى الكلام الذي كان يُقال لشحذ الهمم قبل المعارك، أو لوصف أهوالها، إلى المدح والهجاء والرثاء والغزل، إلى الشعر الحديث والكلام المُغنّى وأناشيد الأطفال والشعر السياسي. وعجباً أن تعجز لغةٌ وسعت القرآن الكريم عن وسع كلام خلقِ الله، وما كان منها إلا أن ذكّرتهم بالآية الكريمة: "كتابٌ فُصّلت آياته قرآناً عربياً لقومٍ يعقلون".

استشهدت اللغة العربية بأبياتٍ وأغانٍ لأجمل ما قيل، وعلى أنغام الموسيقى الرحبانية وقصيدة "شآم يا ذا السيف لم يغب" المُغنّاة بصوتٍ فيروزي خالدٍ، حيّت اللغة العربية الحضور وكلها أمل أن تكون كلماتها قد أيقظت ذاك المساء قليلاً من الوعي الراقِد لدى هؤلاء اليافعين الذين تسنّى لهم حضور العرض، وردّت لهم قليلاً من ثقتهم بلغتهم الأمّ، وبعضاً من إيمانهم بقدرتها على مُسايرة عصرهم.

بهذه التجربة المُميّزة على كل الأصعدة ودّعتُ الحياة المدرسية، وكلّي فخر أنني جسّدتُ اللغة العربية يوماً على خشبة المسرح لثلاثة عروض مُتتالية، تلك اللغة التي لطالما عشقت، والتي ظلّت مُتبوّئةً المكانة الفُضلى في قلبي رغم إذعاني لشغفي بالمجال العِلمي، الطبي منه على وجه الخصوص، ومتابعة دراستي الجامعية في مجال الصيدلة.

فيا أيّتها الأمّ الرؤوم التي جسّدتُ يوماً، أكتب عنك ولك وإليك في يوم عيدك. لم يمنعني يوماً حبكِ من السعي وراء امتلاك أدوات العصر وإتقاني غيركِ من اللغات، ولا وجدت نفسي على المقلب الآخر مضطرّة لتبديل جِلدتي والتنكّر لكِ بعد أن اخترت متابعة تخصّصي في بلدٍ أجنبي كنتِ تصدّرين العِلم له يوماً.

أتعلمين أن أول كتاب اشتريته عندما بدأت دراستي الجامعية كان المعجم الطبي الموحّد الذي وضعته نخبة من الأساتذة المُختصّين من عدّة بلدان عربية بغية توحيد المُصطلحات الطبية من محيط الوطن العربي إلى خليجه، فكان رفيقي في دراستي الجامعية؟

أتعلمين أيضاً أني وبرغم إتقاني لأغلب مُصطلحاته باللغات الثلاث، العربية والإنكليزية والفرنسية، لم أتلق يوماً سوى نظرات الحيرة والضياع إذا ما استخدمت أياً من المُصطلحات المُدرَجة بين دفّتيه باللغة العربية أمام أيّ من الزملاء العرب؟

أتدرين أن مُصطلحاته بغالبيتها لا تمتّ لك أو لأصولك بصلة، وأنها ليست سوى محاولات يائِسة لتعريب مُفردات أجنبية مركّبة وفق طرائق اصطلاحية ووضعية يعاني أساتذتنا قبلنا من تقبّلها والتكيّف معها ، فما بالك من استخدامها بسلاسة؟ لن أحدّثك بالطبع عن نوبات الضحك التي تثيرها بعض المُصطلحات في صفوف الطلاب وكأنهم سمعوا كلمات بالصينية أو اليابانية.

أتعلمين أني تركت يوماً إحدى مُحاضراتي الجامعية المُملّة وذهبت إلى عيادتك في بيتك، مجمع اللغة العربية، فلم أجد فيه سوى قليلٍ من المخطوطات التي بُليَ ورقها وأخذ بالإصفرار، وكأن الزمن قد توقّف فيه قبل نحو خمسمئة عام؟

أتعلمين أنه وبينما يتمّ التحضير لطبعةٍ جديدةٍ من هذا المعجم الموحّد، تظهر المئات من المُصطلحات والمفاهيم العلمية والطبية الجديدة التي تحتاج لاجتماع لجان التعريب واتفاقها على مقابل عربي مناسب لها، ولربما تعلمين أكثر من أيّ أحدٍ آخر أن أبناءك إن اتفقوا يوماً على شيء، فهو اتفاقهم على ألا يتفقوا.

أخشى إن أخبركِ أيتّها القدّيسة عما بات عليه أبناؤك من الشقاق والنفاق والتنكّر لك والتشبّه بمَن عاداك أن أتسبّب لك بنوبةٍ قلبيةٍ أُسرع بها بوفاتك! أيّ عزٍّ يستحقه اليوم قومٌ أضاعوا لغتهم، أو كما وصفهم إبنك الشاعر محمود درويش: عربٌ أطاعوا رومهم... عربٌ وباعوا روحهم... عربٌ وضاعوا...

قد لا تكفي السطور لتوصيف الحال التي وصلتِ إليها يا عروس العيد. لربما يدّعي غالبيّتنا أنه يمتلك تفسيراً علمياً وتاريخياً لما آلت إليه حالك، ولكن لعلّه من غير الواقعي، بل لعلّه ضربٌ من السذاجة، أن أدّعي أنني بما أكتبه إليك اليوم سأطرح علاجاً ناجحاً أو آليةً إنعاش أعطيكِ عبرها قبلة الحياة. سأكتفي هذه المرة بطبع قبلة على جبينك فقط، مُسدلةً الستارة المُخملية الحمراء مرة جديدة على تلك الأمسية التي أحييتك فيها بعد أن مضى عليها ما يُناهز الأربعة عشر عاماً. لكن إسمحي لي أن أسدل الستارة هذه المرة باللغة المحكية وعلى الأنغام الرحبانية من الجيل الثاني:

"بكرا برجع بوقف معكن، إذا مش بكرا البعدو أكيد

أنتو احكوني وأنا بسمعكن حتى لو الصوت بعيد

ولا غنية نفعت معنا ولا كلمة إلا شي حزين             

إذا ما بكينا ولا دمعنا لا تفتكروا فرحانين".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]