يارا سعد

كاتبة من لبنان

في "حيّ السلّم" جلست وبكيت

مَن يرفع الصّوت من أجلنا كلّنا؟ مَن يأخذ بثأرنا؟

على ضفافِ بؤسنا، نبني قصوراً مُزركشةً بالأحلام. تماماً كما بنى أبي كوخَنا هذا على ضفّة نهر الغدير. نُحلّق بعيداً، في سماءٍ لا تعرفُ إلا الرّبيع.

إخوتي وأنا، كنّا في كلّ ليلةٍ نتسمّرُ قرب نوافذ الأمل، نشعلُ حطب الحرمان، ونزجّه في موقد فقرنا. 

جرّافاتُ أخي محمّد تجرفُ في كلّ ليلةٍ بنايات حيّ السلّم العشوائيّة. عمّالُ ومهندسو أخي حسن في ساعاتٍ قليلةٍ يعيدون إعمار المنطقة كلّها. أمّا أختي آية، فتتسلم مهمّة توزيع السّكان الفقراء على البيوت، بعدلٍ تام، وبعيداً من أيّة وساطة. 

"ماذا عنكَ يا فضل؟" تسألني ماما. ماما التي تُنصِتُ إلينا بكثيرٍ من الفخر. 

"سأصبحُ بروفيسوراً يا ماما". 

كنّا أبرياء. لم نخترْ مكان ولادتنا ولا مكان سكننا ولا مدرستنا.. لم نخترْ شيئاً. 

أمّي كانت امرأةً جميلة. أحبّها أبي حبًّا يُشبهُ ذلك الذي نراه في التلفزيون. ظروف حياتنا السّيّئة، شحّ المال والطّعام والشّراب، لم تغيّر ساكناً في علاقتهما ببعضهما البعض. 

كانت ماما تقول "الحبّ الحقيقيّ مُقاتلٌ شرسٌ في وجه كلّ مشاكل هذه الدّنيا". 

*****

شتاءات حيّ السلّم لا تُشبه إلا نفسها. رائحةُ المطر المُعفّر بالنفايات والتّراب تملأ رئتيّ. صوتُ نقاط الماء على "زينكو" سطوح البيوت، تخترقُ أذني. تستقرُّ في مكانٍ قريبٍ مِنْ عقلي. تُلهمُه. 

"كلّ النّاس يعيشون حالاً تشبه حالنا؟ أم وحدنا؟ هل يمكننا أن نصبح أغنياء؟ أم أنّ الفقر كأسمائنا، يرافُقنا ويترُك آثارَ مخالبه على بَلاطِ قبورِنا؟ ولِد وعاش ومات فقيراً؟" تُعلنُ السّماء معركتها على الأرض.

"الله غاضب على عباده الظّالمين". تقول ماما. 

"ماما، يعني الله يغضب على الظّالمين فيصبّ غضبه على المظلومين؟". تتمتم بالاستغفار. صوتها الرّقيق يتسلّل إلى قلبي. أطمئنّ. أستغفر الله وأنام... 

***** 

بعد قليل، أستيقظُ مرعوباً. هل قامت القيامة؟ ما هذا؟ ما الذي يحصل؟ هل أخطأ الله بالعنوان فأرسل بريدَ سُخطه إلينا؟ يا الله كلّنا هنا فقراء. مهلاً.. مَن قال إنّ الفقراء لا يمكن أن يكونوا ظالمين؟

"طاف نهر الغدير علينا. طافت الزبالة علينا". هذا صوت جارتنا. تنظرُ إلى كاميرا هاتف إبنها "وين الدّولة تجي تضبّ الزبالة؟ بيتي غرق. عفش بيتي غرق. هل أنام على الطّريق؟". 

بسرعةٍ يحمّله على موقع فيسبوك. وبسرعةٍ أكبر تتوالى التّعليقات المُتعاطفة. بالنّسبة إليهم سعديّة ضحيّة. بالنسبة إليّ سعديّة "من الظّالمين" الذين يستحقّون غضب الله. 

هي وكثيراتٌ وكثيرون مثلها، يُتخِمون مجرى النّهر صيفاً بنفايات بيوتهم وقاذوراته. فتأتي ليلةٌ واحدةُ من ليالي الشّتاء لتأخذَ بثأر الطّبيعة. 

لكن ما ذنبنا نحن؟ ما ذنب ماما الجميلة؟ بابا؟ إخوتي؟ أثاث منزلنا؟ كُتب المدرسة ودفاترها؟ طيّب ما ذنب مريولي وحذائي الذي أورثني إياه أخي؟ 

لم يبقَ من كوخنا إلا الجدران. ذكرياتنا انجرفت. أحلامنا انجرفت. لا شيء هنا إلا الانجراف. 
بتنا ليلتنا تلك في أحد المساجد. ثمّة من جاء ووزّع علينا الأغطية والطعام والشراب وبعض المُستلزمات، ومبلغاً ماليّاً صغيراً. 

ارتجفَ صوت أمّي. بكتْ. انكسر قلبها. رأيتُ الذلّ في عينيها، والشّقاء ندبة في وجهها الجميل. كدت أجنّ عندما سمعتها تقول لبابا "سأعمل خادمة في البيوت وسنستأجر بيتاً جديداً، ونحيا في داخله بكرامة.. حلمي ألا أذلّ في بيتي على الأقلّ. أتفهم؟". 

****** 

عدنا إلى كوخنا بعدما أعلنت السّماء هدنتها. أخي الكبير اقترب من أبي وقال "ما عدت أريد المدرسة، أريد الذّهاب معك إلى الشّغل". 

صَرَخَتْ ماما. خلتُها تتحدّى هدنة السّماء أو تستفزّها. "لن تعمل يا صبيّ، ستدرس فقط. أنا سأعمل وأنتم ستدرسون. لا أريد أولاداً جاهلين". 

بابا لم يعرْها اهتماماً. انضمّ أخي الثّاني إلى أخي الأوّل. نظر إليّ أبي وقال: "مدرسة أو شغل؟". 

قرارٌ صعب. نظرت إلى عينيّ ماما الطّافحتين. نظرت إلى أختي آية. نظرت إلى أبي المسكين. نظرت إلى هذا الكوخ الخاوي. نظرتُ إلى مقعدي في تلك المدرسة الرسميّة الذّابلة. نظرتُ إلى علاماتي المُرتفعة. نظرتُ إلى قلبي وقرّرت. "عالشّغل". 

اتّخذتُ قراري كرجلٍ له من العُمرِ ما فاق عُمر البشريّة. كنت أحلم أن أصيرَ كبيراً. في الصّف التاسع. بريفيه. أحمل بطاقتي وإخراج قيدي. وأدخل إلى الصّف لأجري الاختبارات. 

حلمي تلاشى. وأنا تلاشيت. 

يومها، ركضت بعيداً من المنزل. إلى أبعد مكانٍ يمكن لقدميّ أن تصلا إليه. أنهكتني الحياة أكثر مما أنهكني الركض. 

*****

بعد فترة طويلة من عملِ أربعةِ أشخاص، تمكنّا من الانتقال إلى منزلٍ جديد. انتقلنا من "ضفاف" نهر الغدير، إلى "ضفاف" سوق حيّ السلّم. 

خلال هذه الفترة جفّت دموع ماما. ما عاد بإمكانها أن تبكي بعد. كانت تنظر إلينا كلّما عدنا إلى الكوخ متّسخين مُرهَقين. تُطيل التّحديق بنا. "يجب أن تعودوا إلى المدرسة". 

يا ليت بإمكاني أن أعود! هذا ما أفكّر به في كلّ يوم. لكنّ عودتي إلى المدرسة تستدعي من ماما أن تعمل. وأنا أفضّل الموت على ذلك. 

بابا كان يردّد "لا مساواة بين الرّجل وبين المرأة في الذلّ والعذاب. أنا لا أزال حيّاً. بإمكاني أن أعمل. سأعمل ليل نهار". 

عملنا نحن الأربعة معاً. لم نتركْ مهنةً تعتبُ علينا. خضنا غمار مهنة العِتالة. جمع النّفايات من البيوت. تعبئة ماء الشرب. توصيل جِرار الغاز... فَتَحَ بابا محلًّاً لبيع الخضار في سوق حيّ السلّم. هناك حيث الزّحمة المُميتة. ثم أغلقه. 

اعتمدنا تقشّفاً قاسياً إلى أن فتحنا فرناً صغيراً، تبعه استراحة بقربه. لكنّ العلامة الفارقة الحقيقيّة، كانت عندما تمكنّا من شراء درّاجتين ناريّتين! 

*****

قمّة فرحنا كانت لحظة تخرّجت آية من الجامعة. آية لم تحقّق حلمها فحسب. آية حقّقت حلمي. حلم ماما. حلم بابا. حلمنا جميعاً.

عندما خيّرني والدي بين "المدرسة" وبين "الشّغل". اخترت الأخير. لماذا؟ لأنّ أحداً لا يأكل شهادته عندما يجوع. في هذا البلد يكفي أن تحصل على "شهادة" من أحد "الواصلين" لتتوظّف. هنا، الشّهادة لا تنفع حتّى لتزيين الحائط. 

كنت مُصيباً في خياري، رغم سنّي الصّغيرة، وطموحي الكبير. 

المهمّ بالنّسبة لي أنّ أختي آية تعلّمت. طريق آية لا يزال طويلاً وصعباً وشاقاً. أو هذا ما كنت أعتقده. آية أرادت مساعدة الفقراء. المطالبة بحقوقهم. رفع الصّوت من أجلهم. 

لكن مَن يرفع الصّوت مِن أجل آية؟ آية الصّغيرة التي نخر سرطان التلوّث رئتيها؟ 

مَن يرفع الصّوت من أجلنا كلّنا؟ مَن يأخذ بثأرنا؟ مَن يُعيد ما تبقّى لنا من فتات حياتنا؟ 
السّؤال الأهمّ: مَن يُجيب عن أسئلتنا هذه كلّها؟ 

تضيء شاشة هاتفي. محمّد يتّصل بك. "آلو أخي خير؟". 

تتلعثم دموع أخي محمّد. تتبخّر كلماته. يسقط قلبه أرضاً. أسمع صوت السّقوط. أمدّ يدي من الهاتف. أنتشل قلبه. وأرجوه أن يحكي. 

"العوض بسلامتك. آية صارت عند ربها". 

آية ماتت. أختي الرقيقة ماتت! غلبتني الدّنيا مرة أخرى. 

ركضت كما لم أركض. ركضت هارباً من الواقع. هارباً من القدر. هارباً من الحياة. الحياة تطوّقني من كلّ صوب. تعتصر فؤادي، تغتال سعادتي، تسرق آمالي. 

ركضتُ هارباً. وصلتُ إلى نهر الغدير. هناك.. جلست وبكَيت.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: webculture@almayadeen.net