ميلود لقاح

شاعر من المغرب

الكتّاب وطقوسهم الغريبة ... تعالوا لنتعرف إليها

الفرزدق كان يمتطي ناقته ويجول أما ذو الرمة فلم يكن يحلو له قرض الشعر إلا بعد اعتزال الناس. تعالوا نتعرف على طقوس أدباء مغاربة في الكتابة.

اهتم الدارسون قديماً وحديثاً بطقوس الكتابة لدى الكتّاب، وحاولوا اكتشافها من خلال البحث في سِيَر الأدباء كما فعل إبن رشيق في فصل من كتابه "العمدة". فقد ذكر أحوال وأفعال بعض الشعراء أثناء إبداع أشعارهم؛ فالفرزدق كان يمتطي ناقته ويجول بين الوديان والجبال والصحراء، وكان كُثير عزّة، عندما يريد قرض الشعر، يقصد الرياض الخضراء ويتجوّل فيها، أما ذو الرمة فلم يكن يحلو له قرض الشعر إلا بعد اعتزال الناس. 

وفي الأدب الحديث اشتهر عدد من المُبدعين بطقوسهم الغريبة في الكتابة. ففيكتور هيغو وجيمس جويس كانا يكتبان واقفين، ولم تكن الكتابة تحلو لألبير كامو إلا أمام شرفة مفتوحة. أما بالزاك فرُويَ عنه أنه كان يحتسي ما بين أربعين إلى خمسين فنجاناً من القهوة عندما يكون بصدَد كتابة الرواية. وكان أوسكار وايلد يزيّن غرفته بريش الطواويس استعداداً للكتابة، كما شغف بعض المُبدعين بالعزلة وسماع مقطوعات موسيقية قبل وأثناء الكتابة.

الميادين الثقافية حاورت مبدعين مغاربة، من أجيال مختلفة، لاكتشاف طقوسهم في الكتابة، والأمكنة والأزمنة التي يفضّلون الإبداع فيها.

يرى الشاعر محمّد علي الرباوي أن كل الأماكن والأزمنة لديه صالحة للكتابة، ولا يقرّر متى أو أين يكتب، لكنه يفضّل المكان الذي يعجّ بالضجيج ويقول:"أكون سريع الغضب، أغضب وأثور لأتفه الأشياء، ولكي أَقِيَ أهلي وأصدقائي من لهيب هذه الحال، أُفَضِّلُ العزلة. هذه الحال تستمر أياماً خلالها تزدحم الأبيات في داخلي، ثم بعد ذلك تأتي لحظة التدوين"، مُضيفاً "في هذه اللحظة، قد أكتب في أيّ مكان، وإن كنت أفضّل مكاناً يعجُّ بالصخب والضجيج. فإن كنت في بيتي، أسمح للراديو بأن يرفع صوته. أكتب ولا أهتمّ بما يقول: كأنّ صمماً من نوع خاص يحتل أذني. وإن كنت في مقهى، فلا بدّ من أن تكون ملأى بالرواد. ولهذا كثيراً ما كنت "أكتب" في الشارع المزدحم".

أما الشاعر أحمد بلحاج وارهام فيعتبر أن "في الشعر ليس لديَّ وقت معيّن، لأن الشعر حال  كحال الحالِ في التصوّف، حال إبداع لا مُفَكّر فيه سلفاً، كالقصيدة واللوحة والشذرة، وما إلى ذلك. وهذه لا وقتَ محدّداً لها، فهي بنت المفاجأة والصدمة عكس الدراسات الفكرية والنقدية والفلسفية، والبحوث الخاضعة لتصوّر عقلي منضبط. وهذه يحدّد زمنها الكاتب وفقاً لظروفه وتصوّره المنهجي".

لكن الشاعر والقاص مصطفى ملح ينفي أن تكون له طقوس أثناء الكتابة، لكن هناك حالاتٍ خاصة تلازمُه قبل الكتابة يجملها في قوله: " تنتابني حال من المشاعر الحادة الشاقة.. نسق مضطرب من الفوضى المربكة.. بُركان من اللامعنى.. رغبة متوحشة في البكاء.. انطواء وعزلة وحنين إلى موسيقى الزمن القديم: لوردكاش وصالح عبد الحي وسيّد درويش.. وأحياناً خوليو وفيل كولينز وبراين أدامس.. في هذه الحال أشعر بأنني مثل قنينة غاز في طور الاشتعال.. ثم أمد يدي إلى البياض العذري للورقة أو الحاسوب.. وأجد أصابعي تنقر على أزرار اللوحة الإلكترونية.. وإذا المشاعر تندلق والأفكار تنسكب والخيالات تصير بناء ومعماراً قد نسج بخيوط الأبجدية.. وإذا النصّ قد كتب بعضه أو معظمه أو جميعه".

أما الشاعر محمّد عريج فيرى أن الكتابة مهنة ذهنية تتشكّل لديه بشكل كليّ في ذهنه قبل توثيقها على الورق. يقول: " شخصياً لا أستطيع الاقتراب من الورقة أو الحاسوب، إلا بعد انتهاء ما أريد كتابته بشكل شبه كلي في رأسي، وأمام الورقة أستطيع التعديل وتغيير مواقع الكلمات، لكن أن أفكّر وأكتب في وقت واحد فهذا أمر أجد نفسي فاشلاً فيه تماما، وانطلاقاً من تجربتي الخاصة أجد أن الليل هو أفضل الأوقات للكتابة، فالكلمات مصابيح صغيرة عارية لا تحب الخروج إلا بعد أن يطفئ الوجودُ نفسه "

القاصّ والروائي محمّد عزوز يفضل اعتماد كلمة "الظروف" بدل "الطقوس"؛ معلّلاً ذلك بأن الإبداع يتعالى عن كل أشكال الطقوس التي يتحدّث عنها المبدعون، ويقول: " في بداية افتتاني بالأدب كنت أظنّ أن الكتابة لا تتحقّق من دون طقوس، لأنني ألِفتُ الكتابة في ركن منزوٍ من مقهاي المفضل حيث أحظى بوهمِ أني جالس بمركز العالم، لدرجة أنني أصبحت أذهب إلى المقهى من أجل الكتابة، بدا الأمر ناجحاً عندما قضيت أشهراً في كتابةِ رواية، لكن عندما كنت أجد نفسي أحياناً أحدّق في البياض حتى آخر ثانية، وعندما كتبت قصة بالبيت من دون توافر الطقوس المعتادة وحصلت القصة على جائزة، وبعد أن كتبت قصة بالفصل الدراسي والأستاذ يشرح الدرس، آمنت أن الكتابة تتعالى على الطقوس (....) لكن يمكن القول إنه لا بدّ من توفر الحد الأدنى من الظروف: الانخراط الذهني الكلي في عالم ما تكتب مع الشعور بالاطمئنان من ناحية الوقت، أي من دون شعور بأنه عليك أن تنتهي من الكتابة في وقت محدّد، أما الطقسية ليست بالأمر المهم بالنسبة لي على الأقل، لكني أدرك أن الكثير لا يكتب إلا إذا توافرت له طقوس ما، وأظن أنه برنامج عمل أكثر منه طقساً، خصوصاً بالنسبة لكتّاب الرواية الذين لا يزاولون مهنة غير الكتابة".

لا يختلف رأي الروائي مصطفى لغتيري كثيراً عن رأي عزوز، فهو أثناء الكتابة لا يميل إلى أية طقوس ويعتبرها " نوعاً من لزوم ما لا يلزم، خاصة إذا كان المبدع مبالغاً فيها، كالانتقال إلى مكان معيّن، جزيرةٍ أو منتجعٍ وغيرها، لأن الكتابة عملية عميقة ولا تتحّدد بالظروف التي يمارسها فيها الكاتب، وإلا كنا قد حرمنا من مجموعة من النصوص التي كتبت في ظروف لا تستجيب للحد الأدنى من شروط الإبداع؛ لكنني غالباً ما أكتب في أمكنة هادئة، ومن الأفضل أن يكون بجانبي فنجان قهوة. ومن الأمكنة التي كتبت فيها أكثر كتبي فضاء المقهى، خاصة إذا كان المقهى هادئاً، ويشرف على مكان جميل، يمكن للعين ترتاح بالنظر إليه من حين إلى آخر".

ترتبط طقوس الإبداع عند الشاعر علي العلوي بالوارد الشعري الذي يأتي من دون استئذان في أية لحظة منفلتة من الليل أو النهار، وفي هذا الخصوص يقول "غالباً ما أجد نفسي مستلقياً في السرير في انتظار حصول التوافق بيني وبين هذا الوارد على مستوى المبنى، ولا شأن لي بالمعنى في بداية الأمر. بعد ذلك أعيش حال مخاض، بل أحياناً حال هوس تتمثل في تكرار الوارد الشعري عشرات المرات مع الذات، إلى أن تستوي القصيدة كائناً شعرياً". الليل عند العلوي هو الزمن الأمثل للإبداع "حينما ينام أفراد الأسرة جميعُهم، أجد نفسي في خلوة مع ذاتي ومع قصيدتي. أفضِّلُ هذا الوقت رغم الأرق الذي يفرضه عليّ مخاض ولادة القصيدة، ورغم القلق الذي يصاحب حال الهوس التي أشرت إليها. أما المكان المفضّل عندي للإبداع فهو البيت، حيث يوجد الحاسوب الذي يسهّل عملية التخزين، ويساعد على إرسال النصوص الشعرية إلى المنابر الورقية والرقمية قصد النشر".

صحيح أن المبدع كائن مثل جميع أفراد المجتمع، لكنه لحظة الإبداع يدخل تجربة تفصله – في الغالب- عن كل ما حوله، إنها تجربة ترتبط كثيراً بالجانب النفسي وتفرض على المبدع مجموعة من الأحوال والظروف التي تساعده على اقتناص إبداعاته في كامل بهائها، ومحاولاً ألا يخفق في الإصابة. وعملية الإبداع وَجْدٌ خاصٌّ، وعمل باطني شائك لا بدّ من أن تصاحبه معاناة تفرض على المبدع أحوالاً خاصة أثناء الكتابة.

ومن خلال هذه الشهادات نكتشف تنوّع طقوس الكتابة لدى المبدعين فهي غير موحّدة أو قارة، وإن تشابهت في بعض الجزئيات (القهوة، العزلة، الليل، الهدوء..). وكما أنَّ لكل مبدع صوتَه الذي يتميّز به إبداعه، له أيضاً طقوسه وظروفه الخاصة التي ألّف الكتابة فيها، والتي لا يستطيع التخلّي عنها.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]