آلاء حسانين

شاعرة مصرية من مواليد 1996. حائزة على جائزة اليونسكو في شعر الفصحى (2015)

"الكارو" ... هكذا يسيّر "الغلابة" حياتهم

عربة "الكارو" ما تزال تنتشر في الأماكن الشعبية في مصر بسبب غلاء البنزين وسهولة دخولها إلى الحواري والشوارع الضيّقة.

على الرغم من تطوّر وسائل المواصلات الحديثة إلا أن عربة "الكارو" ما تزال تنتشر في الأماكن الشعبية في مصر بسبب غلاء البنزين وسهولة دخولها إلى الحواري والشوارع الضيّقة التي لا تتمكّن المركبات الكبيرة من دخولها، ويغلب استخدام هذا النوع من وسائل النقل من أجل نقل البضائع ومواد البناء والسلع التموينية.

والكارو هي عربة بعجلتين أو أربع عجلات تصنع من الخشب ويجرّها حمار أو حصان، ويمكن أن تستخدم للتنقّل أو لبيع البضائع، ويقبل البائعون على استخدام هذه العربة ذات العجلتين لسهولة التنقّل بها، بالإضافة إلى أنه يمكن للبائع جرّها خاصة إذا كانت حمولته خفيفة وتنقّلاته محدودة مثل بائعي السمك والخضروات والفواكه.

ويُطلق على سائق عربة الكارو لفظ "عربجي" وهذه الكلمة هي تركيب لغوي يُطلق على صاحب المهنة بإضافة "جي" إلى مهنته، غير أنه صار لهذه الكلمة دلالة سيّئة (الهمجية) بسبب الصورة الراسخة في أذهان الناس عن العربجي الذي يستخدم السباب والضرب العنيف للحيوان الذي يجرّ عربته.

 


غير أن استخدام عربة الكارو لم يقتصر فقط على نقل البضائع أو بيع الخضروات والفواكه، بل تطوّر ليشمل هوايات ترفيهية أخرى مثل استخدامها في السباق الذي يشارك فيه ما يفوق 180 عربجياً بعرباتهم. وتعتبر هذه السباقات بمثابة الأحداث الهامة وسط "العربجية"، وهي تبدأ عادة في الليل تجنّباً لمطاردة الأجهزة الأمنية، حيث يصطفّ المتفرّجون والمشجّعون على جانبي الرصيف فتبدو الأرصفة حينها مثل مدرّجات الملاعب.

السباق يتم على مرحلتين، يشارك في المرحلة الأولى العربجية الكبار بأحصنتهم، أما العربجية الصغار أصحاب الحمير فيشاركون تالياً، أما عملية اختيار المشاركين فتحصل بشكل مُتعارَف عليه بين "المعلّمين الكبار"، وتستمر كل مرحلة من السباق حتى بزوغ الفجر.

وتكمن أهداف هذه المسابقات إلى جانب المتعة والترفيه بالإضافة إلى المراهنات على الفائز في السباق، هو إمكانية تحديد سعر الحصان أو الحمار عند بيعه. إذ تبدو هذه المسابقات كسوق لتجارة عربات الكارو، حيث يتجمّع الباعة والمشترون في ظلمة الليل بعيداً من رقابة الأجهزة الأمنية لإتمام صفقاتهم، كما يأمل المشاركون في هذه السباقات إلى إعادة المكانة والهيبة إلى عربات الكارو، بعد أن سحبت السيارات الحديثة البساط من تحت هذه العربات التراثية.

صحيح أن التطوّر الطبيعي لوسائل النقل ساهم بتقليص دور عربات الكارو، إلا أن "العربجية" وعرباتهم لم يسلموا من ملاحقة الأجهزة الأمنية والقرارات التي تحارب وجود مثل هذا النوع من وسائل النقل. ففي حملة" القاهرة بلا كارو" التي أطلقت منذ مدة لتجميل شوارع القاهرة، تم استخدام أساليب عنيفة للتخلّص من عربات الكارو عن طريق ملاحقة العربة ومصادرة الحيوان بل ووصل الأمر إلى تكسير العربات أمام أصحابها الذين يعتمدون عليها كمصدر أساسي للدخل.

وتعتبر هذه الحملة إحدى أكبر المشكلات التي تواجه سائقي عربات الكارو، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وصعوبة توافر بدائل ومصادر أخرى للدخل.

أما الحنطور فيختلف عن عربة الكارو بكون الأول عربة أكثر أناقة تجرّها الأحصنة العربية الأصيلة، وقد اقتصر استخدامها على الملوك وعليّة القوم، أما العامة فقد استخدموا في تنقّلاتهم عربة الكارو التي كان يقوم الحمار بجرّها غالباً.

لقد دخل الحنطور إلى مصر عن طريق الإيطاليين، وكان المصريون يقومون باستيراد جميع أجزاء هذه العربة في البداية، لكنهم ما لبثوا أن تعلّموا صناعتها وطوّروا أشكالاً مختلفة منها، مثل "البنز" و"الفينون" وهي عربات أوسع بكثير من "الكوبيل الملكي"، الذي سمّي بذلك لأنه كان يستخدم من قِبَل الملوك والأمراء وكان يسع شخصين فقط عادة هما الملك وزوجته. أما الفينون فكان يتّسع لنحو ستة أشخاص، وقد استخدمته الأسَر المصرية القديمة في تنقّلاتها.

لكن أصاب الحنطور ما أصاب الكارو، حيث تقلّص استخدامه نتيجة التطوّر السريع في وسائل النقل فأصبح يقتصر على التجوّل في الأماكن السياحية لرؤية المعالم الأثرية أو في التنقّل على الكورنيش أو اقتناء أحجام صغيرة منه مصنوعة خصيصاً لهواة جمع التحف والأنتكيات، ويعتبر الحنطور حالياً أحد معالم الزمن الجميل الآخذة في الاندثار.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]