جوان تتر

كاتب من سوريا

السينما الكرديّة "تحرس" تراث الشمال السوري

يستند الفيلم إلى فرضيَّة انقرض الغناء الشعبي والمحاولة لجمْعه وتحديثه كسبيل لإنقاذه.

بجملٍ دقيقة وصوَرٍ أثريَّة دالَّة مُرتَّبة يمكن اعتبار الفيلم السينمائي الكردي السوري (الأشجار الوحيدة) /إنتاج كومين فيلم روج آفا 2017– الشمال السوري – إخراج شيرو هندي، الإنتاج الأوّل سينمائيَّاً بالمعنى الحقيقي للكلمة في الشمال السوري.

فمن التعليق الصوتي المختَزل والمُكثَّف بادئ ذي بدء الذي يوضّح مدى أهميَّة التراث كناقلٍ تاريخي للثقافات المختلفة على الأرض الواحدة، يجدُ المشاهد نفسه أمام فيلم سيُسهب في السرد وسيتوغّل بأعماق ثقافة مجهولة بالنسبة للآخر المختلف، مع جرعة تركيزٍ مُكثّفة على الغناء الشعبي، الحامل الأساسي للثقافات المُتنوّعة التي تقطن الشمال السوري.

لا شكّ وأنّ السينما فنّ التخيُّل وإعادة رسم الوقائع بصياغاتٍ مختلفة، لكن لها أيضاً أن تتجّه نحوَ الدور الأبرز لها وهو "التثقيف"، المُصطلح الذي يختلف عليه أبرز علماء الأنثروبولوجيا.

لسنا بصدد وصف إنتاجيَّة شبه معدومة في ظلّ الأزمة في سوريا، إنّما عن مجموعة شبّان ارتأوا ضرورة اللجوء إلى السينما للحديث عن الإرث الفلكلوري الشعبيّ الذي يخفي خلفه مجموعةً من العناصر اليوميَّة والمبادئ الحياتيَّة المُتباينة من بلدٍ لآخر.

أغاني الحصاد، الأعراس، ما يُقال أثناء الحروب بين العشائر (بحُكم أنّ المجتمع السوري في الشمال عشائريٌّ بُنيةً)، وعلى هذا الأمر تستوجَب العديد من المعطيات المختلفة ضمن المجتمع، وبالتالي تنجَز كلمات تلحّن معبّرةً عن ملحمة أو رواية قصة واقعيَّة عبر الغناء وبطريقةٍ معيَّنة من الأداء الصوتي المُتطلّب خبرة ومِراناً، مرافقاً ذلك كلّه بخلفيَّة موسيقيَّة وضعها الموسيقار الكردي: "محمود برازي"، باستخدام آلات حديثة، الخلفيَّة الموسيقيَّة، التي تحاول في البدء أن تُفسح المجال للحن الأصلي والصوت الطبيعي أن ينفِّذا المهمَّة، ومن ثمّ تتدخَّل تلك الخلفيَّة كرافدٍ أساسيّ للاستماع في وقتنا الراهن وفي ضوء التقدّم التكنولوجي للموسيقى.

عن هذه التقنية المُستخدَمة يقول المخرج شيرو هندي في حديث للميادين الثقافية: "ارتأينا فعل ذلك كي نحاول أن نقرِّب الجيل الجديد الذي لم تعتد أذنه على هكذا نوع من الأغاني التراثيَّة القديمة، لذا فالموسيقى المرافقة تشجّع على الاستماع".

السينما إذ تكونُ شاهدةً على حُقَب زمنيَّة للتراث المُتنقّل شفويَّاً، الثقافة الغنائية التي وصلت ربمّا مُسطَّحةً وساذجة إلى الآخر، إذ عُرِف الكردي، أو - لنقل المقيم في الشمال السوري- إن جاز التعبير، بالبزق أو الطنبور كسقفٍ أقصى للمعرفة بالنسبة للمختلف، لكن في الحقيقة – وهذا ما يراهن عليه الفيلم- ثمَّة ما هو أعمق من هذا الأمر، الـ (دنكبيجي) أو الأغنية الشعبيَّة التي كانت تنتقل شفويَّاً عبر الأجيال، والتي هي في الأساس عمق وجذر الشعر الكردي القديم والحديث برمَّته ولا بدّ من إعادةِ نظرٍ إليه، موسيقيّاً، تلك الثقافة التي دافعت عن نفسها عبر عقود.


الحكاية

يستند الفيلم إلى فرضيَّة أو احتماليَّة أن ينقرض هذا النوع الغنائي الشعبي والمحاولة الحثيثة لجمْعه وتحديثه موسيقيَّاً كسبيلٍ للإنقاذ أو محاولة تشجيع المُهتمّين بالتراث على أن يقوموا بدورهم في مجال الحماية.

كذلك ينطوي العمل على معلوماتٍ دقيقة حول الغناء الشعبيّ وأساسياته في الشمال السوري لمختلف مكوّناته العرقيَّة، مستنداً إلى أحاديث لكبارٍ في السنّ، هم في الأساس مغنّون محترفون ضمن هذا المجال، يُسهبون في شرح خلفيَّات الأغاني وطُرق تناقلها وكيف أثبتت هذه الأغنية فرضيَّة أن التدوين ليس مهمَّاً طالما أنَّ هناك أجيالاً تتناقلها شفويَّاً، لكن، وفي الآن ذاته، يبدو أن ناقوس الخطر يُدقُّ عَبْرَ هذا الفيلم، الخطر المُحدق الذي يهدّد بانتهاء هذا الفلكلور الشعبي، وبالتالي لا بدّ من حمايةٍ وإنقاذٍ لحكاية الفنّ الفطري والطبيعي الذي واصل العيش على مدار مئات السنين.

بطريقةٍ سلسة أقرب إلى حكايةٍ مدعَمةٍ بالأغاني يسهب الفيلم في سرد قصص هذا النوع الفنيّ الغنائي الموجود لدى كافة سكان الشمال السوري: "الآشوريون، السريان، العرب، الكرد"، إضافةً إلى أنّه (أي الفيلم) لا يضع على عاتقه مهمّة البحث عن حقيقة وتاريخ الأغاني بقدر ما يركَّز على المعنى والدلالات الحياتيَّة والحضاريَّة لها ودورها في إعادة صوغ المجتمع القديم والنظر عبر منظوره إلى المجتمع الحديث على اختلاف تطوّراته، كلُّ ذلك باستخدام اللحن والكلمة والطريقة الأدائيَّة الصعبة الأخّاذة.


السينما بوصفها تأريخاً للإرث

تكاد تكون السينما في هذا المنحى المنجَز  نوعاً من التأريخ الذي يماثلُ أرشفةً في ضوء الخراب الذي يحصل، الأغنيةُ بوصفها خلفيَّةً دقيقة تتحدّث عن إرثِ شعبٍ بأكمله، بالدقَّةِ نفسها التي دأب عليها المؤرّخون في جمْع تاريخِ شعبٍ يحملُ ما يحملهُ تراثه من معانٍ، القوّة كلّها تبرزُ في الدمج الحاصل ضمن "الأشجار الوحيدة". التراث الذي لا بدّ وأن يُحتَفَظ به كي لا يندثر، أو على الأقلّ يأتي جيلٌ ما في ما بعد ويدأب على إعادة تدويره وتحديثه بطُرقٍ فنيَّةٍ غير محصورة بالسينما، إنمّا تتخطّاها إلى التدوين الموسيقي، لتبقى وثيقةً جليَّة على تراثِ جغرافيةٍ بأكملها تجمعُ مختلف المكوّنات القومية والعِرقية المختلفةِ تراثاً، لكن الموحَّدةِ الغرض في الآن ذاته.

فأسلوب الغناء الشعبي أو "دكنبيجي" يحوي بين طيّاته كل أشكال الحياة: المقاومة، الجمال، مفاهيم الرجولة والبطولة وكل ما يمكن أن يُغنّى عنه، التفاصيل التي تبدو جليَّةً في هكذا نوع من الفنّ الغنائي على اعتباره تأريخاً للملاحم والقصص الشعبيَّة.


المكان/اللوكيشن

عينُ الكاميرا التي هي في المُحصِّلة عينُ المخرج مُسجِّلَةً المناظر أو خلفيَّة الحديث ضمن الصورة، تعطي انطباع التكامل ما بين الصورةِ والموضوع المشغول عليه وهو "التراث"، الأخير الذي يحمل بين طيّاته العديد من الأفكار الاجتماعيَّة والعقائدية والدينيَّة على حدٍّ سَواء، ما يهِب الفيلمَ أهميَّة الغوص في المكان والزمان بنفس الوتيرة من دون أن يغلبَ أحدهم على الآخر، هذا التساوي والعدل يؤكِّدان على أنّ للمكان –الجغرافيَّة- تأثيره الأقوى، لذا نرى العديد من المواقع التصويريَّة التي ترافق كل مغنٍّ وهو يغني فولكلوره وتراثه الشعبي الزاخِر بثقافته هو، والتي هي في النتيجة ثقافة وجغرافية منطقة بأكملها، جغرافية المنطقة تكاد تتشابه في الشكل ولكنّها في الجوهر مختلفة، هذا الاختلاف الذي يولّد المزيد من التطوّر الثقافي.


طيف الماضي

يكاد يكون الفيلم مُخاطباً الجيل الجديد بلسان الماضي، وفي الآن ذاته يودّ لو أن يفسح المجال أمامه (عرباً وكرداً وأشوراً وسرياناً)، أن ينظر بعين الاهتمام إلى هذا الإرث الذي قد يُمحي سنوات الحرب، مُعيداً دفَّة الحضارة والتعدّد والاختلاف إلى مجراه الصحيح الذي يُصَبُّ في الكشف عن المعقول في التراث والممكن ترجمتهُ إلى فنٍّ حقيقي يُرسي دعائمَ السلام، ف "اليوم هذا التراث ينتظر نجدتنا، على المنحدرات الخالية، تحوّل إلى أشجارٍ وحيدة"، على حد تعبير المخرج. هذا الفنّ الذي يدافع عن نفسه بنفسه من خلال قِيَم المجتمع الموجودة ضد كلّ أشكال الإمحاء والصهر والتطاول.

يتحدّث مغنٍ عجوز بحسرة عن كيفية تناقل هذه الأغاني شفهيَّاً عبر الأجيال من دون اللجوء إلى كتابتها، فهو أخذها عن أبيه والأبُ عن الجدّ وهكذا دواليك داعياً في الوقت نفسه إلى حماية هذا الإرث الحامِل لثقافة شعوب بأكملها والتي ترافق طقوس مجتمعيَّة ريفيَّة معيّنة، كما تقول إحدى المغنيّات في مشهد من الفيلم: "حين نذهب لقرية العروس لنزفَّها، نأخذ الفرس الشهباء لتمتطيه العروس. كانوا يزيّنون الفرس ويلبسونها اللجام والحزام. يضعون السرج على ظهرها، ثم تمتطيها العروس لذلك يقولون: "أيتها الفرسُ الشهباء، أيتها الفرس الشهباء، السرجُ على ظهرك". متابعةً: "وحين كانت تحدث حال وفاة، كنا نقول: "احملوه، احملوا طويل القامة هذا، ولتكن الحياة الأخرى نوراً وضياء"، إذاً لا ترتبط الأغاني كما هو متعارف بالفرح والسرور وحسب، إنّما للموت أيضاً مكانه الأزليّ في هذا النوع من الغناء.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]