علي عاشور

كاتب من السعودية

ما هي أبعاد قضية رهف القنون؟

فجّرت قضية رهف القنون ردّات فعل كثيرة، فما الذي يكمن خلفها من أبعاد؟

فجّرت قضية رهف محمّد القنون ردّات فعل كثيرة حول العالم. خصوصاً بعدما تمّ قبولها كلاجئة تحت حماية برنامج الهجرة للدولة الكندية. وبالرغم من المقالات والتغطيات الإعلامية الكثيرة،  وردات الفعل الصاخِبة في مواقع التواصل الاجتماعي ما بين موافقين ومعارضين، لم تُطرَق حتى الآن أسئلة جوهرية عن الأبعاد التي تكمن ما وراء أزمة المرأة السعودية – بشكل خاص - والقضايا المُثارة حولها في الإعلام الغربي بشكلٍ مُكثّف منذ ثلاثة أعوام تقريباً.

كي نعي ما يحدث من صِراعات حديثة داخل المجتمع السعودي العام علينا أولاً قراءة تشكّل صيرورة هذا المجتمع ضمن إطار تشكيل الدولة السعودية ، منذ معاهدة محمّد بن سعود ومحمّد بن عبدالوهاب حتى يومنا هذا. من ثم، قراءة التحوّلات التي أحدثتها الحركات المُطالبة بالحقوق والتغييرات في زمن الدولة السعودية الحديثة، كما لا نغفل عن آثار ما يُعرَف بــ "الربيع العربي" وانفتاح العالم على بعضه عن طريق الإنترنت.

قامت دعائم تشريع الدولة السعودية منذ معاهدة الدرعية حتى اليوم على دعم التشريع الديني الإسلامي الوهّابي، المُتطرّف في أبعاده العقائدية ونُظمه التشريعية. إذ لا يمكن إغفال البُعد المُتطرّف في إلغاء كل ما هو خارج عن مفهوم "التوحيد" الذي صاغه محمّد بن عبدالوهاب وأفكاره التكفيرية التي أباحت الدماء وشوّهت صورة المجتمع النجدي الذي كان قائماً قبل ثلاثة قرون، كما زوّرت المفاهيم العقدية لسكّان المناطق المختلفة، خصوصاً المناطق الحَضرية التي كانت تحمل من الثقافة والتكوين الاجتماعي ما يتجاوز الصورة النمطية عن البدويّة الصحراوية.

وضعيّة المرأة في الإسلام، لم تزل مادة لسِجال لا ينتهي حتى بين القائمين على المؤسّسة الدينية باختلاف مذاهبها، لكن في المُحصّلة فإن الوضعية الاجتماعية للمرأة والتي تستند إلى "مسوّغات" دينية، واضحة في غير مكان من عالمنا العربي ومنها داخل السعودية، حيث السلطة الأبويّة التي تجعل المرأة في مَنزِلة أقلّ من الرجل وتالياً ما يُفرَض عليها من واجب الطاعة وترك إدارة خياراتها لــ "وليّ الأمر".

لقد بنيّت منظومة الأفكار الاجتماعية الأساسية في السعودية من الامتداد بين التشريع والتقاليد والأعراف المغلقة. ولم تتأثّر بشكل مباشر إلا مع بداية حركة التعليم التي بدأت تنتشر في جميع المناطق انطلاقاً من ستينات القرن الماضي، وصعود الحركات العِلمانية القومية واليسارية التي كان لها أثر كبير في تصيّر كثير من الأفكار ضمن العوائل السعودية المُتعلّمة، ما سمح بفتح حلقات تواصل ما بينهم وبين العامة البسطاء. و بالرغم من القمع الوحشي والعنيف والاعتقالات وحَرْق الكتب من قِبَل السلطات السعودية، إلا أنها خلقت حركة وعي ثقافي يتماهى مع الوعي المنتشر في العالم العربي أجمع. من هنا كانت الشرارة الفكرية الأولى، إذ سُمِحَ للمرأة بالخروج من صندوق التلقين العائلي إلى فضاء أوسع.

إذ ذاك، لا نستطيع تجاوز الارتداد والتصادُم ما بين حركة التعليم والتوجّهات "العِلمانية" وما حدث في بداية ثمانينات القرن الماضي مع الثورة الإيرانية وحركة الصحوة. هذان الحدثان أدخلا المجتمعات السعودية، عامةً، بعملية ارتجاع المفاهيم القديمة التي قوّمها السلف والشيوخ والشخصيات المذهبية البارزة، ما خلق حال صراع اجتماعية اجتاحت العوائل والبيوت، وأسهمت في انتشار تطرّف أيديولوجي اكتسح جميع المناطق.

من هنا يمكننا الانطلاق لفَهْم معاناة المرأة السعودية، فهي لا تقع فقط ما بين فكّي التشريع الإسلامي، بل واقعة في جحيم التطرّف الوهّابي المؤسّساتي، والتعصّبات المذهبية والاجتماعية المختلفة، التي تسمح للمجتمع بالسيطرة عليها سيطرة كاملة، وهَدْر دمها في حال "خرجت عن المسموح". هذا ولا نغفل عن أن مسألة الشرف بالنسبة للعقل العربي تتمركز حول المرأة وغشاء بكارتها، فكيف يمكن تخيّل هذه المسألة الأخيرة ضمن هذا الصراع والتطرّف الأيديولوجي المُحتدِم؟

من أبرز المواضيع المطروحة مؤخّراً والتي اشتعل النقاش حولها، خصوصاً بعد السماح للمرأة بالقيادة والانخراط في الأعمال الميدانية وتخليص بعض المعاملات الحكومية الرسمية، مشكلة ولاية الأمر. غير أن الدخول بموضوع إلغاء ولاية الأمر على المرأة من دون الالتفات إلى عدّة نقاط مهمّة وخطيرة لن يُقدّم أية خطوة في استيعاب الأزمة الحالية. فولاية الأمر هو موضوع ديني بالدرجة الأولى. إلغاؤه يعني إلغاء التشريع الإسلامي في دولة قائمة على التشريع. من هنا ينحدر الموضوع إلى مُنعطفٍ أخطر ألا وهو التشريع السياسي. إذ سيتطلّب الأمر بالضرورة وجود مؤسّسات مدنية قائمة على قوانين خارجة عن إطار التشريع الديني، ما يعني تحويل مؤسّسات الدولة إلى مؤسّسات مدنية، وتالياً سيُفقد السلطة الحاكمة قوّتها الأساسية التي تستند إليها للبقاء، وستفقد قوّتها التشريعية.

 


فجميع التغييرات التي قامت بها السلطة السياسية لا تخرج من فضاء السيطرة والاستناد إلى التشريع المُنطلِق من الهيئة الدينية ، المركز التشريعي والداعِم الأول لجميع القرارات السياسية. فقد لعبت السلطة واحدة من أخطر الألعاب دهاءً؛ وهي تحويل المشكلات ونقلها من عاتق الدولة إلى عاتق المجتمع. أي إزالة العبء والحِمْل من السلطة الحاكِمة وجعلها مشكلة شعبية سببها يتحمّله الشعب بما يحمله من تقاليد وأعراف وأفكار، من دون الالتفات إلى أن هذه الأفكار والأعراف أسّستها وفرضتها السلطات الدينية التابعة للسلطة السياسية وشبعتها على مدى عشرات السنوات! كما أن السلطة تعي وعياً تاماً أن الفكر الاجتماعي هو فكر ديني تقليدي مرجعه النصّ وقدوته الأسلاف! حتى مع الانفتاح الفكري ووجود أفراد خارج هذا الإطار الاجتماعي التقليدي، تبقى تركيبة النُظم الاجتماعية الفكرية مُتمسّكة بقديمها. فالتمسّك بموضوع الأصول القبلية، من بطون وفخوذ، وإغداق أمراء القبائل ووجهاء المجتمعات والمناطق بالأموال لم يأت من اعتباط الموالاة فقط، بل من أجل تكريس وبثّ الثبات الذي يوقِف موجات التغييرات الاجتماعية التي تساهم بهَدْم البنية السلطوية التي قامت عليها الدولة السعودية الحديثة.

هكذا نصل إلى مدى خطورة الوضع القائم ثم إلى بعض العقبات الأساسية التي تُعيق وتؤثّر وتصطدم بها هذه المطالب. رهف القنون امرأة أرادت الاختيار في مجتمع يرفض كل مختلف، أي بالضرورة يرفض الاختيار الآخر. فالحرية الذاتية لا تتوقّف عند المرأة فحسب، ذلك أن الرجل أيضاً لا يمتلك حرية اختياراته هو الآخر. فليس من المسموح لك تغيير دينك، أو المطالبة بالتحقيق أو رفض اختيارات السلطة. فكل ما هو خارج عن سلطة المجتمع، سلطة الدين، سلطة الدولة، ممنوع جملةً وتفصيلاً.

من هنا تتعلّق أسئلة كثيرة تحتاج إلى تحليلات وقراءات تتجاوز الصورة التي يقدّمها الإعلام العالمي ومواقع التواصل الاجتماعي؛ إلى أي مدى ستصمد أشكال السلطات الموجودة في السعودية؟ وإلى أين تتّجه الأجيال الجديدة والأجيال القادمة؟ هل ستقوم عمليات توفير مراكز الترفيه العامة بإسكات الوعي المُنفتح على التغييرات الثقافية في العالم؟ أم أن الأجيال القادمة الجديدة ستسطّر وعياً مختلفاً يفتح طُرقاً جديدة للوصول إلى مُبتغاها؟

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]