ميلود لقاح

شاعر من المغرب

"أدب الطفل" في المغرب ... نحو الاندثار؟

بعد ازدهار وتطوّر مهم لأدب الطفل في المغرب على يد عدد من الأدباء الروّاد البارزين منهم عبد السلام البقالي ومحمّد سعيد سوسان ومحمّد إبراهيم بوعلو والعربي بنجلون الذين أغنوا المكتبة الأدبية المغربية بعدد هائل من الأقاصيص والمجلات الموجّهة للطفل مثل مجلة "سامي" و"العندليب" ومجلة أزهار"   و"مجلة إرشاد" وغيرها... عرف أدب الطفل في السنوات الأخيرة تراجعاً كبيراً على مستوى النشر والجودة؛ فكثير من الكتّاب لم تعد تهمّهم مراعاة خصوصيات الكتابة للطفل، والأهداف التربوية والثقافية التي تساهم في بناء وتطوير شخصيته، بقدر ما أصبح يهمّهم التهافت على النشر وترجمة القصص الأجنبية من دون مراعاة خصوصيات مجتمع الطفل المغربي.

هذه الوضعية السلبية الطارئة جعلت عدداً من الكتّاب ينتبهون إلى أن هناك أزمة يمر بها أدب الطفل في المغرب، منهم الأديب العربي بنجلون (أحد أبرز كتّاب أدب الطفل وأغزرهم إنتاجاً) الذي أصدر بياناً يدعو فيه إلى "إنقاذ أدب الطفل من الاندثار".

ولتقصّي مظاهر أزمة أدب الطفل في المغرب والوقوف على الصعوبات التي تواجه كتّاب هذا النوع من الأدب، استطلعت الميادين الثقافية آراء بعض الكتّاب المهتّمين بأدب الطفل إبداعاً وتنظيراً.

العربي بنجلون يرى أن أزمة أدب الطفل تتجلّى في مظاهر عدّة منها التهافت العشوائي لكثير من الكتبة على "إعادة صوغ قصص قديمة، في قالب آخر مهلهل، تنقصه اللغة المناسبة لتطور الطفل، وتقنيات الكتابة، والموضوعات الملائمة للمتلقّي الصغير. ثم يأتي تكالب دور النشر على طبع مثل هذه الأعمال الهزيلة، بغية الربح الكثير والسريع، من دون إيلاء مصير الطفل أيَّ اهتمام، ما إذا كان سيستفيد منها أم لا؟ وما إذا كانت ستؤثّر فيه إيجاباً أم سلباً؟.. وباختصار، هناك فوضى، ومسؤولو وزارتي التربية والثقافة، يغطّون في نومهم العميق، ويغضّون عن هذه الأعمال، بدعوى حرية التأليف والنشر".

بنجلون يقول إن الكتابة للطفل يجب أن تراعي خصائص شخصية الطفل، وهذا ما يجهله أو يتجاهله بعض الكتّاب. يقول" سبق لبيكاسو أن قال: (أتمنّى أن أرسم لوحة للأطفال، لكنني لا أستطيع ذلك(!..وهذه المقولة، تدلّ على أن التواصل مع الأطفال، رسماً وكتابة وغناء وتمثيلاً، يفرض التمكّن من خصائص شخصية الطفل، والأطوار التي يمر منها، كي يعبر بعمق وبصدق وبدقة عن رغبات الطفل وآماله وطموحاته. وهذا لا يتأتّى إلا لمَن استطاع أن يعيش قريباً من الأطفال، وقرأ عنهم، وما كتب لهم من أعمال أدبية خالدة، لروّاد هذا الأدب الذي يجمع بين الكتابة الفنية والتربية وعلوم النفس والاجتماع".

أما عن الصعوبات التي تواجه كتّاب الطفل والتي طالما تحدّث عنها بعضهم فيقول بنجلون "لا أشعر بأية صعوبة في الكتابة للطفل، لأنني طوّرت تجربتي خلال 40 عاماً، عبر قراءة التجارب السابقة، العربية والغربية، وقراءتي لما أكتبه، قبل طبعه، على الأطفال، وأخْذ رأيهم فيه، فضلاً عن استفادتي من كتب علم النفس والتربية، وما تحتاجه كل مرحلة، لغوياً وأسلوبياً وتقنياً وموضوعياً".

أما مصطفى ملح فيؤكّد من ناحيته، التراجع الذي يعرفه أدب الطفل بعد فترة ازدهار حيث أن المتتبّع لأدب الطفل في المغرب "سيكتشف انحساراً وتراجعاً لافتاً لهذا الإبداع، قياساً إلى ما عرفته الأجيال السابقة، خاصة مع روايات عبد السلام البقالي وقصص العربي بن جلون وغيرهما".

ويعزو ملح ذلك التراجع إلى جانبين، موضوعي وذاتي؛ فالموضوعي يتعلق "باختلال شروط التلقّي وتراجع القراءة كنشاط أساسي للمعرفة أمام ذيوع وانفجار للمعرفة البصرية المتاحة عبر القنوات والمنتديات والمواقع، إذ انحسر اطلاع طفل اليوم على العالم عبر حاسّة الرؤية المباشرة، بينما لم يعد يشغل حاسّة التخييل التي تتّصل أساساً بالقراءة في كتاب ورقي، وبالتالي انعكس هذا سلباً على وعي الأطفال وعلى طبيعة تمثلاتهم لمحيطهم وعلى التخييل والإبداع واتخاذ القرارات". أما الجانب الذاتي فهو "طبيعة المادة المتخيّلة التي نقدّمها للطفل، إذ لم يعد مُستساغاً ولا منطقياً الحديث عن الجنيات والأشباح والراعي والأميرة مثلاً، فنحن أمام طفل أكثر ذكاء منا وأكثر اطلاعاً وتفاعلاً مع الأفلام الكارتونية سواء كانت خيالاً علمياً أو أية معالجة لظواهر خارقة وميتافيزيقية، وهكذا أصبحنا نخاطب طفلاً ذا بنية عقلية مركبة ولا بد من بذل مجهود كبير لإقناعه، ولن يتأتّى ذلك إلا بانتقاء مواضيع يحسّ بها وتمسّ شعوره وإدراكه شريطة أن تصاغ بلغة أنيقة وذكية تحترم قدراته وخياله".

وعن المضامين المناسبة والمفيدة للطفل والتي يمكن أن تخرج أدبه من أزمته يرى ملح أن "القصص ذات المضامين الاجتماعية هي الأقرب إلى متخيّل الطفل، لذلك سارعتُ إلى كتابة جملة من القصص التي تنسجم مع هذا التوجّه، واخترت لغة تنحاز إلى المجاز حينما يتعلّق الأمر بالوصف، خاصة الوصف السيكولوجي للشخصيات المأزومة والمهمّشة اجتماعياً، في حين تركت اللغة تتدفّق على سجيتها عندما يتعلّق الأمر بالسرد".

وهنا يقترح مصطفى ملح للنهوض بأدب الطفل أربعة أمور: احترام ذكاء الطفل، واختيار مضامين متصلة بالواقع، والاستعانة بأسلوب يحترم المنطق والعلاقات السببية بين الدوافع والنتائج، ثم الابتعاد قدر الإمكان عن ملء متخيّل الطفل بالمقولات الخرافية".

لعلّ أزمة أدب الطفل ليست وليدة الحاضر وإنما قديمة تضرب بجذورها في عمق الماضي؛ إلى درجة أنه صار بمقدورنا الحديث عن نوع من اللامبالاة بهذا الطفل، وما يجب أن نصنعه له، بحسب تصريح الناقد مصطفى سلوي الذي يضيف أن لهذه الأزمة أسبابها التي "تتجلّى في برامجنا التعليمية التي لا تأخذ، في كثير من الأحيان، بعين الاعتبار المرتكزات الكبرى التي يقوم عليها أدب الطفل، وتنطلق منه تعلماته الأساس، ليستشريَ فعلُ اللامبالاة إلى درجات الاهتمام بما هو كمالي بالنسبة إلى الطفل؛ أقصد ما يمكن أن نتحفه به من حكي أو شعر أو غير ذلك... ومن أبرز الدواعي التي كرَّسَت هذه الأزمة الاعتقاد السائد لدى الكثيرين ممَن لديهم دخل في تعميم أدب الطفل طباعة ونشراً وتوزيعاً، بأن هذا النوع من الكتابة لا يُدرّ عليهم ما ينتظرونه من أرباح، ناهيك عن أننا لم نرسّخ بعد في تقاليدنا الاهتمام بالطفل عنصراً بشرياً فاعلاً في حياة المجتمع، ومجدّداً كبيراً لدماء الأمّة المستقبلية".

المظاهر التي تعكس هذه الأزمة في المغرب تتلخّص وفق سلوي بــ "غياب سياسة ثقافية تربوية تعليمية تُشَرّعُ الكتابة للطفل، وتدعم القائمين على هذا الفعل؛ سواء من جهة المؤلفين أم الناشرين أم الموزّعين، كما هي الحال في البلاد الغربية والآسيوية، التي وعت قيمة تنمية ذكاء الطفل وقيمة ذلك في حياتها الآتية الاقتصادية والفكرية والسياسية، وتدني مستويات المتعلمين، خاصة في مستويات القراءة وإتقان اللغات، وكذلك ندرة البرامج التعليمية التربوية التي تهتم بأدب الطفل في وسائلنا التعليمية المرئية منها والمسموعة والمكتوبة؛ حتى بعض المجلات التربوية التي كانت تحرص، بعض المراكز التربوية والهيئات والمنظمات الكشفية وتلك التي تهتم بالطفولة المغربية وغيرها، لم تعد تصدر اليوم، وذلك بسبب عدم اهتمام الأسَر المغربية بمشاهدة مثل هذه البرامج مع أطفالها".


كيف نخرج من هذه الأزمة؟

يجيب سلوي "لا استواء لأزمة الكتابة للطفل، إلا بإعداد استراتيجية واضحة المعالم لهذا المشروع الكبير، وإشراك جميع الفاعلين فيه؛ لتحديد الموضوعات والقضايا، والأساليب والمناهج، والاستفادة مما توفّره تقنيات الإعلام والاتصال في هذا الجانب؛ بما في ذلك وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، ناهيك عن المدارس والجمعيات وكل الهيئات التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالطفل".

ويتّضح بعد هذه الآراء أن هناك أزمة بالفعل، وراءها تقصير في حق الطفل وأدبه من جهات عدة: دور النشر والكُتّاب والأسرة والمجتمع والإعلام ووزارتا الثقافة والتربية والتعليم. ولتجاوز الأزمة يتوجب تضافر الجهود من قبل الجهات المعنية، ومراجعة العوامل التي أدّت إلى هذه الأزمة، ووضع مخطط من شأنه أن يُعيد أدب الطفل إلى عهده الزاهر.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]