عبد الله بن عمارة

كاتب من الجزائر

يوم كان صاحب "دونكيشوت" أسيراً في الجزائر

كثيرون منا قرأوا أو سمعوا عن رواية "دونكيشوت" لكنهم لا يعرفون أن مؤلفها ميغيل دي سيرفانتس كان أسيراً في الجزائر، فما هي تفاصيل قصّة أسْره؟

  • الجزائر في القرن 16م
  • سرفانتس

كثيرون منا قرأوا أو سمعوا عن رواية "دونكيشوت"، أو دونكيخوطي كما تُنطَق في لغتها الأصلية، والتي تُعتَبر من أشهر وأجمل الروايات الأوروبية (بل وأول رواية أوروبية حديثة عند بعض النُقّاد) لصاحبها ميغيل دي سيرفانتس ( Miguel de Cervantès)، الذي صنع لنفسه من خلالها إسماً كواحدٍ من أبرز الأدباء العالميين.

لكن الكثيرين أيضاً لا يعرفون عن بعض محطّات حياته التي كانت من أبرزها وقوعه في قبضة القراصنة الجزائريين، في سياق الحرب التي كانت قائمة بين الجزائر وبلده إسبانيا، فما هي تفاصيل قصّة أسْره؟

حرب 300 سنة بين الجزائر وإسبانيا (1492-1792)

  • معركة ليبانت
  • تمثال عروج بربروس في غرب الجزائر

اختار المؤرّخ الجزائري الراحل أحمد توفيق المدني هذا العنوان لِيَسِمَ به كتابه، الذي أرّخ للصراع الذي خاضته "إيالة الجزائر" ضد المشروع الإسباني التوسّعي، بدايةً من سقوط غرناطة ونهايةً بتحرير وهران.

ظهور الأخوة بربروسا في غرب المتوسّط شكّل محطة تاريخية حاسمة تمَّ من خلالها إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في منطقة المغرب ككل في العصر الحديث، وملأ الفراغ الكبير الذي أحدثه سقوط "امبراطورية الموحّدين" التي وحّدت بلاد المغرب والأندلس، وفشل السلالات الحاكمة في المغارب الثلاثة في مواجهة التحدّي الذي فرضه صعود القوّتين الإيبيريتين إسبانيا والبرتغال.

كان تشكُّل الجزائر وبروزها كجمهورية مُقاتلة ضمن هذا السياق التاريخي على يد خير الدين بربروسا (بعد مقتل أخويه في غرب الجزائر وهما يقاتلان الإسبان، عروج وإسحاق) حاكم الجزائر الذي أصبح يحمل لقب البايلرباي أو أمير الأمراء ابتداءً من سنة 1518.

تَجَسّد الصراع بين "جزائر المغازي" وبين القوى الأوروبية، وعلى رأسها إسبانيا في ثلاثة محاورٍ أساسية تمثل الأول في القرصنة أو الجهاد البحري، ويُعتَبر المصدر الأول لدخل هذه "الجمهورية الفتية"، وهو اقتياد السفن الأوروبية بالقوّة على امتداد غرب المتوسّط مُحَمَّلة بالسلع وبالأسرى الذين يتمّ إطلاق سراحهم مقابل فدية، أو تحويلهم إلى يدٍ عاملةٍ في ورشات صناعة السفن وفي حفر الخنادق والطرق وغيرها من الأعمال، (تتحدّث المصادر التاريخية مثلاً عن بلوغ عدد الأسرى من الإسبان والفرنسيين والإيطاليين والمالطيين سنة 1578 لخمسةٍ وعشرين ألف أسير ليبلغ في النصف الأول من القرن 17م حدّ الثلاثين ألفاً).

أما المصدر الثاني فصدّ الحملات البحرية الأوروبية التي لم تتوقّف لثلاثة قرونٍ كاملةٍ ضد الجزائر، أمَلاً في ردعها أو إسقاطها (كان أهمها الحملة الصليبية المشتركة بقيادة الملك شارلكان سنة 1541، والحملة الإسبانية بقيادة الضابط الإيرلندي أوريلي 1775، والحملة الفرنسية التي قادها دي بورمون سنة 1830)، فيما تجسّد المحور الثالث في خوض معارك داخل البلاد لتحرير المدن الساحلية التي سقطت سابقاً في يد الإسبان وآخرها مدينة وهران.

ميغيل دي سرفانتس …الجندي الأديب

  • لوحة تذكارية عند مدخل مغارة سرفانتس في الجزائر
  • مدخل مغارة سرفانتس في الجزائر

ولِدَ سرفانتاس في مدينة ألكالا دي إينارس غير بعيد من العاصمة الإسبانية الحالية مدريد. وكان ذلك على الأرجح في العقد الرابع من القرن السادس عشر، وعاش مع عائلته مُتَنَقِّلاً بين مدن قرطبة وإشبيلية وطليطلة ثم انتقل للعيش في إيطاليا حيث استكمل دراسته فيها.

لكنّه قرّر الالتحاق بالجيوش التي تمّ تجنيدها وتعبئتها بمباركة الكنيسة الكاثوليكية في روما، فشارك في معركة "ليبانت" البحرية في خليج باتراس في البحر الأيوني سنة 1571، والتي انتهت بهزيمة البحرية العثمانية أمام التحالف الأوروبي الصليبي، وبإصابة بالغة في يده اليسرى، ما إن تعافى حتى عاود "نشاطه العسكري" ليشارك في حملاتٍ عديدةٍ كنافارين وبنزرت وتونس وغيرها، إلى أن سقط في قبضة ثلاث سفن جزائرية بقيادة الرّايس مامي أرناؤوط (مسيحي من أصول ألبانية اعتنق الإسلام) سنة 1575 في فترة حُكم البايلرباي قايد رمضان (كان حاكماً بالنيابة آنذاك) (هو أيضاً مسيحي تحوّل للإسلام لكنه من أصول سردينية)، اقتادته إلى الجزائر حيث أمضى خمس سنوات في الأسْر.

سرفانتس وقصّة خمس سنوات من الأسْر

  • خير الدين بربروس

تسرد لنا الكاتبة التشيلية أدريانا لاسل بالتفصيل (متزوّجة من جزائري) قصّة أسْر سرفانتاس مع أخيه الأصغر رودريغو، الذي كان عسكرياً أيضاً، في كتابها "خمس سنوات مع سرفانتاس" (صحّح هذا الكتاب الصادر عن دار داليمان 2012، الكثير من المُعطيات غير الدقيقة التي رسّخها المؤرّخ الإسباني دييغو دي هايدو عن قصّة أسْره في كتابه الشهير "طبوغرافيا والتاريخ العام لمدينة الجزائر")، وهو عائد إلى بلاده من نابولي باتجاه برشلونة في أسطولٍ صغيرٍ من أربعِ سفنٍ كان رُكَّابها في غالبيّتهم من الإسبان، ليُباع إلى القرصان الجزائري الشهير بدالي مامي (من أصولٍ يونانية) الذي وضعه في "سجنٍ مفتوحٍ"، ثم اقتيد لمزاولة أعمالٍ عديدةٍ؛ من بنّاء في الميناء، إلى بُستاني في منطقة باب الواد ...الخ.

حاول الهروب مِراراً كان آخرها محاولة الاختباء في مغارةٍ تقع حالياً بأعالي حي بلوزداد الشعبي أو بلكور سابقاً، (يتداول الكثير من أبناء مدينة الجزائر معلومات غير دقيقة عن أنه مثلاً كان مُعتقلاً في هذه المغارة، أو أنه كتب رواية دونكيشوت خلال فترة اعتقاله)، ولا تزال تحمل إسمه إلى اليوم، ليتمّ دفع فدية أُطلق سراحه على إثرها، وليرجع إلى بلاده وذاكرته مُشبعة بتفاصيل تلك السنوات التي كان لها، بلا أدنى شك، الأثر الكبير على حياته الشخصية كما على أعماله الأدبية.

في السنوات الأخيرة بدأت السفارة الإسبانية و"مركز سرفانتاس الثقافي" في الجزائر وبالتنسيق مع السلطات في تسليط الضوء على تلك المحطّة التاريخية المهمّة في تاريخ البلدين، وفي ترميم مغارة سارفانتاس على أمل تحويلها إلى متحفٍ.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً