ميلود لقاح

شاعر من المغرب

الوهم

وهم كبير أن تكون كاتباً في وسط يحتفي بكتب الأبراج ويقتنيها بانتظام.

  • الوهم

سقط القلم من يده، التقطه وأحكم قبضته بأصابعَ طالما سخر منها جده قائلاً:"إنها لا تصلح إلا للكتابة"، راجياً أن يحصل في المستقبل على وظيفة يكون القلم أساسياً فيها كالمحاماة أو الطب أو التدريس، عكس والده الذي كان الأهم عنده أن يحصل ابنه على عمل سواء كان وظيفة في سلك من أسلاك الدولة، أو أي مهنة شريفة أخرى.

تحققت أمنية الجدّ والتحق الشاب بسلك التدريس رغبة في العمل، وخوفاً من ألا يفلح بأصابعه في مهنة أخرى. كلما تذكر جدَّه ترحم عليه: "رحمة الله عليك يا جدي لقد صرت مدرساً، وفضلاً عن ذلك صرت كاتباً لا تتوقف أصابعي عن جر القلم يميناً ويساراً".

هو يدري أنه أصبح مدرساً باجتياز امتحان، لكن لم يكن يدري كيف أصبح كاتباً لعله أحبَّ من قرأ لهم كمحمد عبد الحليم عبد الله ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس وغيرهم، وحاول تقليدهم. لعله كان يحب أن يَلفت انتباه من حوله إلى أنه يكتب، وأن كتاباته تُنشر في الصحف كباقي كتاب العالم، وقريباً يسطع نجمه في دنيا الأدب وتُحوَّل قصصه ورواياته إلى أفلام ومسلسلات كثلاثية محفوظ وغيرها.

كان لا بد له أن يتوقف ويتراجع قليلاً عن أحلامه ليرى كيف يمكن تحقيقها. سِيَرُ الأدباء مفيدة جداً فهم القدوة الذين يَحسُن الاستفادة من تجاربهم، جلهم فازوا بجوائز خدمتهم على المستوى الإعلامي الذي فتح أمامهم أبواب النشر وتهافُت الدّور على كتاباتهم.

ها هو يحمل كتاباته حيث حل وارتحل، باحثاً عن مسابقات ودور نشر من  دون جدوى. كانت رغبته كبيرة في أن يصيح بملء فمه "يا عباد الله دلوني على مسابقة أشارك فيها، سأكون الفائز لا ريب، حينها ستكتشفون أي مبدع أنا. إنني أخفي وراء قصصي مبدعاً فذاً".

التحدي من شيم الرجال، لذا قرر عدم الاستسلام لواقع لا يقدر الإبداع والمبدعين. سيتحمل تكاليف طبع أول مجموعة قصصية له. طبعاً سيقترض مالاً، وهو على يقين من أن إصداره الأول سيدهشُ القراء والنقاد، وسَيُسال مداد الأقلام ترحيباً بمولوده الجديد؛ حينها ستخطب دُور النشر وِدَّه، وسيرفض التعامل معها بكل كبرياء.

لا بأس، بعد شهر واحد يكون الإصدار جاهزاً، وسيصفعُ الواقعَ الذي يتنكر للإبداع والمبدعين. شهر واحد وسيغيظ من استخفوا به وبكتاباته، شهر واحد ويتهافت القراء على إبداعه الذي سيملأ الدنيا ويشغل الحسود والصديق. شهر واحد ويكتشف الزملاءُ والتلاميذ أن بينهم كاتباً مرموقاً، سيعيرونه الاحترام الذي يستحق. شهر واحد وستسارع الجمعيات الثقافية إلى تنظيم حفلات توقيع لإصداره الجديد. شهر واحد ويُسجَّلُ اسمه في قائمة كتاب الوطن.

العالم لا يسع زهوَه وهو يتوجه نحو المطبعة لتسلم نسخ مجموعته القصصية في صناديق. كيف يعقل أن يتسلمها من دون أن يعرف إلى أين سيأخذها؟ إلى البيت؟ إلى العالم طبعاً! إلى شركات التوزيع، إلى المكتبات، إلى القراء المتعطشين للإبداع. إلى التألق والسمو في سماء الأدب والأدباء.

ما الذي جرى ويجري في هذا العالم؟ ما بال شركات التوزيع والمكتبات ترفض تسلم إصداره.

  • الإبداع ما فيه ربح!
  • ما..ما.. فيه ربح؟ وفيمَ الربحُ إذاً؟
  • في كتب الأبراج ... والطبخ والحلويات... والأزياء والماكياج.
  • وما أنا فاعل بهذه الصناديق الآن؟
  • شغلك سيدي.

أيكونُ العالم على هذه الدرجة من التحول ولا يدري؟ هو الكاتب النبيه اليقظ الذي يتلقف كل كبيرة وصغيرة في المجتمع لا يدري أن الإبداع فقد قيمته. كيف يتصور أن قصصه التي كتبها بمهجته وسهر الليالي بحثاً عن خواتمها الخارقة لأفق انتظار القارئ ستصير عبئا عليه!

هو الوهم إذاً. الوهم الكبير أن يكتب للناس. الوهم الكبير أن يظن أن الناس في حاجة إلى كتاباته. ووهم كبير أن تكون كاتباً في وسط يحتفي بكتب الأبراج ويقتنيها بانتظام.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً