فاطمة خليفة

صحافية وكاتبة لبنانية. انضمت إلى الميادين نت عام 2016.

كيف نعشق في بلاد النار؟

كثيرة هي موانع الحب في بلادنا. الحروب أهمها وأقساها. الحرب رادع وحاجز كره، نهرب منها عبر كسر "الراء" التي اتفق جميع الفلاسفة وعُلماء الترميز على أنها البداية لحياة نحلم بها برمّتنا. الحب وحده بذاته ونفسه، هو المخدّر الأنجح لجميع الحروب التي نخوضها أفراداً وجماعات، تخيلوا، كم هم قساة أولئك الذين يقطعون المخدّر عن المريض في نصف العملية الجراحية، ويدعونه لمواصلة الحياة ببأس ويأس.

كتب الكثير من العشاق عن الحب والفراق والشوق، لأنهم جميعاً، مرّوا بأغلب مراحله. الهوى ثم الكلف فالحب الشديد ثم الشغف فاللوعة ثم الجوى والتيم، آخر مراحل الحب، وجميعنا مررنا بأحد تلك الحالات، ولكل منّا قصته المثيرة والحزينة والخجولة. المرأة تحديداً في بحث دائم عن الحب، بطبيعتها الأنثوية ومشاعرها الملتهبة. تولد وهي تعرف منذ صغرها كيف تحيط العائلة باهتمامها، وتكبر على الحب فتبدأ بالبحث عن حب آخر، عن حب الآخر.

تلفتني صديقتي الجميلة دوماً بكلامها عن الحب، تقول وعيناها يملأهما الشغف، لا أعرف كيف يمكن لفتاة أن تعيش من دون حالة هيام، هي التي افترقت عن حبها منذ زمن طويل، لكنها أجدر النساء بالحب، يعجبها مسلسل ما، فتقع في حب البطل وتضع له صورة على شاشة هاتفها، وأخرى على شاشة حاسوبها، وتأتي كل يوم لتخبرنا ماذا فعل البطل من أجل حبيبته، وكيف نظر اليها، وكيف يعاملها، تسكنها المشاعر التي لا تمت لها بصلة، لكنها سعيدة، وتبحث عند كل نهاية عن بداية جديدة في قصة أخرى أبطالها يتغيرون.

لا يمكن لأحد أن يتخيل كيف نبحث نحن الفتيات عن الحب. الأمر لبساطته ... معقّد . نفتش عنه في المواقف الرقيقة، في حكايات الجدات، في المساحات الآمنة، ما بين الصداقة واللطافة، ندوّر في المزاح الجاد عن بقايا له، أو إشارات تنذر بوجوده، نخمّن أنه جاء مع كل اهتمام صغير، نعيش خيبة غيابه ونحمّل الأقدار ذنب تأخيره وتأجيله، كيف يمكن للحب أن يكون متخفّياً هكذا، كأنه فرح مؤجل إلى أن ترضى الأقدار عنّا؟

الحب أشكال تتغير باختلافنا. أعمقه الحب الحزين، وأبطاله الفتيات الحزينات اللواتي لا يكتب عنهن أحد. هن البركان المشتعل، فيض الأحاسيس التي لفرط قوتها تصدم بجدران الواقع، ويخبو فيهن الحب، يعبرن بالكتابة والمحابر، وغالباً ما تضمحل الكلمات عند أوراقهن لأن الدموع تسبقهن الى التعبير. هن الذين تركهن المحبوب من دون أن يعرفن السبب، وعاشن ميتات يحملن جثث الوقت. يقدمن الحب على مذابح قصائدهن فيصبح عشقهن للشعر والقصيدة.

الحب مقدّس ولا يضاهيه الا الفراق، هذا التضاد المؤلم غير المفهوم يؤلم كل من يلتقي بالحب، يجعله حذر، يخشى من العطاء الكثيف الذي يقابله، إن صحّ الفراق، خيبة كبيرة، وجرحٌ عظيم، لا يشعر بمن يعيش آلام الفراق سوى الذين تخدّرت دموعهم من فرط ما بكوا، وعضوا على وسادتهم المبلولة من كثر ما غصوا بالدموع.

هذا الشيء الذي يسكن القلب، ويجعل بينه وبين الآخر خيط رفيع كالخلاص، يتغذى على الحب ويذوب بغيابه، هو الشعور الذي لا ينحصر في موقف وكلمة. لا تلوموا من يخانوا ويطعنوا ويبقوا على حبهم، هم ليسوا عمياناً، هم عشاق.

جعلوا للحب عيداً، ليس ليحصروه، بل ربما ليذكرونا بأنه موجود في كل أشيائنا، ثيابنا وكلماتنا، وأحبائنا. دعونا لا نجادل في أبعاد عيد الحب، ولا نصب عليه نظرية المؤامرة التي علّمونا إياها خلال حياتنا. تقرّبوا هذه الليلة ممن تحبون، كونوا عوناً لمن كسرت الأيام قلوبهم. أيها الرجل، قل لها إنك معجب بها. أما أنت فلا تجعليه محتاراً طوال الوقت، قولي نعم. إعشقها لكينونتها، لأنها هي، لا تكن مالكاً بل عاشقاً. وأنتِ، إياكِ أن تجعلي الكيد يتفشى بكِ، فنحن في بلاد ما زالت الراء فيها بقلب الحب، تحز قلبه كل يوم، نحن في بلد الخسارات الكبيرة، فكيف نعشق في بلاد النار؟

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]