يارا سعد

كاتبة من لبنان

هنا الضّاحية ... التّعيسة والمقاوِمة

تقول جدتي:سنقاوم. وسنجلب الماء والكهرباء.

جدّتي في فستان أبيض برّاق، تسير وإلى جانبها شابّ وسيم في العشرين من عمره. أنا في صالة العرس أزغرد وأترجّز للعروسين. ماما وبابا وإخوتي هنا. يا الله! انبعثوا إلى الحياة من جديد! جميعنا نمشي وراء جدّتي ووراء من يفترض أنّه سيصبح "جدّي". فجأة، نسمع صوت ديك مجنون.. يهرول نحو جدّتي، ينقضّ على فستان زفافها ويمزّقه. صوت صياحه مقزّز، ينساب إلى رأسي وينقره. تحدّق بي جدّتي وتقول "يلّا، السّاعة السّادسة، قومي".

أستيقظ، وصياح الدّيك النتن في أذنيّ. أين هو هذا اللّعين؟ منبّه جدّتي هذا، يجب أن يكون في المتحف الوطنيّ لا في بيتنا.

"لو كان ديكك، يا جدّتي، حقيقيّاً، لذبحته، وطهوت عظامه شورباً للكلاب الشّاردة".

تقهقه "هيّا إلى الجامعة يا كسولة".

ما حاجتها بصوت الدّيك هذا، وهي تستيقظ قبل آذان الفجر بساعة؟ سيربح "المليون" من يعرف الإجابة.

*****

شمس الضّاحية اليوم مختلفة. صفراء، ناصعة، حارقة. أكاد أصدّق عندما تقول جدّتي عسليّة إن شموس العالم، لا يمكن أن تجاري شمس الضّاحية جمالاً. "يكفيها شرفاً وكرامة أنّها صفراء".

تحت خيوط "شمس الضّاحية الصفراء" انتظرت سيّارة أجرة تقلّني إلى الجامعة. عشرات الدرّاجات الناريّة تصادفني. إحداها كادت تصطدم بي. لا أريدكم، أريد سيّارة!

هذه سيّارة تاكسي. لكن لوحة نمرتها بيضاء. كلّا. تلك بيضاء أيضاً... أهّا، هذه لوحة حمراء. صاحب السّيّارة عجوز طاعن في السّنّ. آيات قرآنيّة تتصاعد من مذياعه. إلى جانبه، رجل أربعينيّ. وفي المقعد الخلفيّ فتاة شابّة.. يا سلام. هذه مواصفات التّاكسي المفضّلة عند جدّتي عسليّة. ففي عرفها، مهمّة السّيّارات العموميّة خطف الصّبايا. علماً أنّ هذا ليس شائعاً.

تنتهي الإذاعة من بثّ الآيات القرآنيّة فيطفئ السّائق المذياع، ويخرج شريطاً قديماً واضعاً إيّاه في "المسجّلة" الخاصّة بالسّيّارة. ثوان وينطلق صوت ألفه النّاس بعد حرب تمّوز.

"هنا الضّاحية.. اسمنا.. رسمنا.."

يرمقه الرّجل الأربعينيّ باشمئزاز "عمّي طفّي طفّي. يرضى عليك بلا ضاحية بلا بيروت بلا بطّيخ. طفّي.. بهالبلد، ما راحتش إلّا عالشّهدا والمقاومة".

الشهداء أمثال أمّي وأبي وإخوتي الذين استشهدوا في عدوان تمّوز. يا لها من ذكريات!

يرضخ السّائق لأوامر الرّاكب. يفتح المذياع تاركاً إيّاه على إذاعة غنائيّة. بثقة يقول السّائق "هذه المغنّية من أفضل مغنّيات عصرها. يقولون إنّها فنّانة". وهي فعلاً فنّانة. فنّانة في أدائها، وفي كلمات ولحن الأغنية. فنّانة تغنّي "للعلكة". صوتها يمتزج مع صوت "فنّان" آخر من سيّارة أخرى، يغنّي لأشياء غير مفهومة.. ظلمت ديك جدّتي! يجتاز صوتهما شرائط الكهرباء المزدحمة في سماء الضّاحية، ويصل إلى ما بعد سمائنا. يقضّ مضاجع النّجوم. نجوم الصّباح. فتتهاوى أمام "نجوميّتهما".

الله لن يسامحكما.

*****

أترك السّيّارة وأكمل الطّريق مشياً. الحفريّات والإصلاحات ورجال البلديّة وعمّالها، يملأون الطّرقات، مسبّبين زحمة سير قاتلة.

لا يحلو للبلديّات إصلاح البنى التّحتيّة المتعفّنة، إلّا مع بداية كلّ عام دراسيّ.. والأعظم آت مع هطول الأمطار.

الضّاحية لا مثيل لها أيّام الآحاد. فارغة من سكّانها. لا شيء يخترق أشباح شوارعها، إلّا رائحة شواء تطلّ من بعض الشّرفات. فكيف إذا كان الأحد يوماً للانتخابات البرلمانيّة؟

يومها فرغتْ الضّاحية من سكّانها ومركباتها. "الضّاحيويّون" في قراهم لينتخبوا ممثّلين عنهم. صباح اليوم التّالي عاد الاكتظاظ إلى الضّاحية. وعاد أبناؤها وصفرة شمسهم مكتسحة زرقة سماء لبنان.

"ممثّلونا نالوا النّسبة الأكبر من الأصوات. هم الأوائل في لبنان". لكنّ صباحات الأحد لا تشبه صباحات الإثنين، بداية الأسبوع، أبداً. أتأمّل الأشياء والأشخاص من حولي. أجساد نطقتْ أرواحها تسير بشكل آليّ. وجوه النّاس فارغة من الحياة. نحيلة. هزيلة. مرعبة. ملامحهم تستفزّني. الإحباط اتّخذ منها مرقصاً له. واليّأس هرم تحت عيونهم. المقاهي مكتظّة بالشّباب. بالشّباب البائس. أسمعهم يتناقشون بالسّياسة والرّياضة. هؤلاء متعلّمون ومثقّفون. لكنّ فرص العمل تتبختر في مكان آخر. بعيدة منهم. بعيدون منها.

تتلعثم قدمي بمطبّ صغير، فأقع أرضاً وأصرخ. تتقاذفني أنظار النّاس في الشّارع والمقهى.

أقوم بسرعة وأحدّق في الجميع. أعيد التّحديق. أحد لم يضحك لأنّي وقعت. هذا مشهد مضحك. عليكم أن تضحكوا. ألهذا الحدّ وصل الشّقاء؟

صدقت جدّتي عسليّة عندما قالت "اضحكوا، بكرا الضّحك بيغلى".

نحن هزئنا بالاحتلال. نعم. هذا صحيح. لكنّ مشاكلنا الداخليّة هزئت بنا، وجعلتنا أضحوكة القرن. 

*****

أصل متأخّرة إلى المحاضرة. اعتاد الدّكتور الأمر. كلّنا نتأخّر. وهو صار مثلنا... بعد انتهاء الصّفّ، أحكي لأصدقائي تأمّلاتي الصّباحيّة العظيمة. يرسل صادق ابتسامة شامتة "انتخبوهم أنفسهم والنّتائج ستكون كالتّالي". يضيف "أهمّ شي الكرامة والعزّة".

تضع سهى يديها العاريتين على شعرها الأشقر الحلو، وتقول منفعلة "لماذا تدخل سلاح المقاومة في كلّ شيء؟ حقود".

يجيبها صادق "ماذا جاءنا من هذا السّلاح إلا الفقر والجهل؟ إنّهم يكتمون أنفاسنا بسلاحهم ذاك".

يردّ عليه سليم "شمال لبنان.. طرابلس.. عكّار.. مناطق فقيرة بسبب وجود سلاح المقاومة. معك حقّ. أدعوك لزيارتنا... أساساً لو كانوا يكتمون أنفاسك لما كان بمقدورك أن تتفوّه بكلماتك، ولو بينك وبين نفسك".

"طيّب عندما تجوعون كلوا صواريخ".

تتدخّل ريم بلهجتها البقاعيّة "هذه الصّواريخ دحرت الصّهاينة المجرمين الإرهابيّين وأذلّتهم في عامي 2000 و 2006. اليوم لا يجرؤون على الاقتراب منّا. لماذا؟ ألأنّهم يخافون من أبيك؟".

يكرّر صادق في كلّ مرّة المكرّر. كلمات يسمعها في بعض الفضائيّات (العربيّة-الأميركيّة-الصّهيونيّة) الدّعائيّة. "أنتم مغسولو الأدمغة.. متقوقعون. ثوروا على الجماعة.. لا تكونوا غنماً".

أردّ عليه بلا مبالاة ساخرة "خالفْ يا صادق لعلّك تعرف. خالفْ.. خالفْ..".

*****

نختلف في السّياسة، لكن علينا أن نتقبّل آراء بعضنا البعض. هذه قاعدة عندنا. رغم أنّ كثيرين يقولون "المقاومة محض وجود وليست سياسة".

نترك الجامعة، ونرجع إلى المنزل. في طريقنا، ألاحظ أشياء لم ألحظها من قبل. الأمّهات والآباء لا يكتفون بتعليق صوَر أبنائهم في بيوتهم. إنّهم ينثرونها في شوارعهم، كما ينثر الرّبيع أزاهيره في الحقول. ينظرون إلى تلك الصوَر في الصّباح وفي المساء. لا يعرفون إن كان قمر اللّيل يعكس نوره على وجوههم فتتلألأ، أم إنّ وجوههم تلهم القمر فيتوهّج.

هؤلاء الفخر الوحيد في بلد نخره البؤس.

بعيداً من الصوَر، أرى على أحد الجدر هذه العبارة: "فليسقط تنظيم الدّولة اليهوديّة في فلسطين الحبيبة". أشير إلى صادق ليراها.

"وما شأني أنا وفلسطين؟ أنا لبنانيّ. فليحرّرها أصحابها".

أرمقه "اللّعنة عليك وعلى سايكس- بيكو".

"لست مع إسرائيل. إسرائيل عدوّ. لكنّني أريد أن أعيش هذه الحياة".

"ولست مع المقاومة! لا عيش ولا حياة في ظلّ إسرائيل. التّجارب كثيرة".

كلامي لا يعجبه. أشيح بنظري عنه، وأوجّهه إلى مجموعة من الأطفال الذين يلعبون بحماس شديد. الفرح ينطنط بينهم. أغبطهم.  أسترق السّمع إلى أغنية أحفظها عن ظهر قلب:

"نطّ عليك الحراميّة

من شبّاك البلديّة

بالسّكين وبالمنشار

طلاع برّا يا ختيار"

مهلاً مهلاً. منشار؟ "صادق، أسمعت. نعم نحن لدينا صواريخ، لكن ليس لدينا منشار".

*****

يصلني من جدّتي تسجيل صوتي عبر "واتساب". "أحضري معك كيس شمع، اللّيلة كهرباء الدّولة مقطوعة". أين سأجد شمعاً في هذا العصر؟

أدخل أوّل دكّان يصادفني. ثمّة من لا يزال يعيش مستخدماً الشّمع. "عطل" أصاب غرفة الكهرباء الأساسيّة في المنطقة قبل أسبوعين.

"طيّب، تيتا، ماذا عن الإشتراك؟". تردّ عسليّة "تيتا لم أدفع له شهرين متتاليين. قطع الشّريط. قال إنّ غيرنا كثر سيشتركون مع أزمة العطل ذاك".

اللّعنة عليه.

الحقّ مع جارنا أبو محمّد. قال أمس "أصحاب المولّدات اجتمعوا، خطّطوا لتعطيل كهرباء الدّولة، والآن يماطلون بإصلاح العطل، ومن ورائهم بعض العاملين في شركة الكهرباء".

"المؤامرة. هيدا الشاطرين فيه العرب. مش عأساس كلكن سارقين ومعلّقين خطوط كهربا. وين بدّو يروح الضّغط؟". يجيبه جارنا أبو صادق (والد صديقي صادق) بشزر.

"إيه حبيبي. لم ننس ماذا فعلت وأبناء عمومتك العام الماضي. حارتنا ضيّقة والنّاس تعرف بعضها". يمسك أبو محمّد أبا صادق بيد لا توجعه. فهو غير مهتمّ، بل يجاهر عنجهيّة ببطولاته.

"انتظرنا حتّى نام الجميع. هجمنا على المولّد. أحرقناه. هذه المرّة المولّد احترق. المرّة الثّانية قلب أمّه سيحترق". ويضحك أبو صادق مطلقاً رذاذ لؤمه في فضاء الضّاحية.

أحياء الضّاحية تكاد تكون مقسّمة. أحد لا يحقّ له التعدّي على حيّ غيره. حيّنا يقع في دائرة عائلة أبي صادق. يعني ما تعجز الدّولة عن توفيره من ماء وكهرباء طيلة العام، توفّره عائلة جارنا احتكاراً.

*****

أخبر جدّتي عسليّة بحديثي مع أصدقائي في الجامعة. أخبرها بتأمّلاتي وبحال منطقتنا.. "هذا من دون وجود إسرائيل. كيف لو كانت موجودة؟".

"شحار وتعتير وذلّ. دولة فاشلة. لا أمن عرفت تجيب، ولا كرامة، وبالآخر يلومون الشّباب. يلومون المقاومة. ما دخل المقاومة؟ هلأ صار بدّن دويلة داخل دولة". يأتي الجواب من عسليّة.

صراخ عنيف يزلزل هدوء جلستي مع جدّتي. تتوقّف عسليّة عن كيل الشّتائم لصادق وأبيه، مصغية إلى الخارج.

إنّه صوت جارتنا أمّ حسن. إبنها صعقته الكهرباء! عمر الصبيّ ثلاث سنوات! مات فوراً!

المسكينة. خسرت طفلها الثّاني. الأوّل مات لأنّهم لم يستطيعوا تأمين دواء غالي الثّمن له.

بائسة أمّ حسن، وبائسون نحن. لا كهرباء إلّا لتقتلنا. ولا ماء إلا ليغرقنا.

*****

نكمل الحديث أنا وجدّتي عسليّة: "يقول دكتورنا في الجامعة، إنّهم يحاولون إفقار بيئة المقاومة، ليتخلّى النّاس عن السّلاح. ويقول إنّهم يدفعون المال ليجعلوا المقاومة أقلّ جاذبيّة بعيون الشّباب، وليطمثوا معالم العدوّ الحقيقيّ".

تقوم جدّتي عسليّة عن كرسيّها وتصرخ في وجهي: "أغبياء هم. سبعون عاماً والشّعب الفلسطينيّ يعيش الفقر والعذاب في بلاد شتّى. سبعون عاماً. هل تخلّوا عن قضيّتهم ومقاومتهم؟ أنتخلّى عن وجودنا من أجل الكهرباء والماء؟ سنقاوم. وسنجلب الماء والكهرباء".

تشرد بذهنها بعيداً، ثمّ تردف بعينين جاحظتين متحدّيتين: "سيكون لنا حياة كريمة.. وسنحيا كما نريد".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]