ميلود لقاح

شاعر من المغرب

غرافي للميادين نت: ليست هناك لغات استعمارية وأخرى مسالمة

مبدع مغربي أطل على الساحة الإبداعية نهاية الثمانينيات، وسرعان ما اختار الإقامة في فرنسا حيث واصل نشاطه الأدبي شعراً ورواية ونقداً. إنه محمد ميلود غرافي الذي استضافته الميادين الثقافية عبر هذا الحوار الذي أجراه معه ميلود لقاح.

  • محمد ميلود غرافي

بعد مجموعتين شعريتين هما "حرائق العشق"2002، و "أمضغها علكا أسود" 2009، تصدر رواية " لم أر الشلالات من أعلى" عن دار الغاوون في بيروت سنة 2011. لماذا هذا التحول في الشكل الإبداعي؟ وهل وجدت الشكل الروائي أنسب للتعبير عن هذه أحداث روايتك؟

رواية الشلالات لم تكن لاحقة لمجموعة "أمضغها علكا أسود" إلا من حيث تاريخ النشر. أما من حيث كتابتُها فهي سابقة عنه. شخصياً لم أطرح أبداً سؤال الانتقال أو التحول من جنس أدبي إلى آخر - هذا السؤال يُطرح في العالم العربي فقط، أما في أوروبا فإن الشاعر يكتب الرواية والقصة وأشكالاً إبداعية أخرى بشكل طبيعي دون تقييد نفسه في جنس دون آخر.

أنا لم أفْصل أبداً الكتابة الشعرية عن الكتابة الروائية. لقد بدأت شاعراً وقاصاً في الوقت نفسه. تركت القصة وواصلتُ كتابة الشعر، لكني مولع في الشعر أيضاً بالسرد. السرد حاضر بقوة في مجموعاتي الشعرية الثلاث. ثم إن الكتابة الروائية لم تكن محط تساؤلات عندي. لم أكن أحلم بكتابة رواية يوماً ما، وحين بدأت أعيش تجربة الهجرة في باريس كنت أرى من حولي عوالم غريبة وعجيبة وأحداثاً لا يمكن أن نتصورها حتى في الخيال.

كنت أشهد ذلك وأقول: هذا يستحق أن يُكتب. فجاءت رواية الشلالات نتيجة منطقية لانشغالي بتلك العوالم والأحداث وفرضتْ نفسها كشكل أرقى وأشمل وأوسع للتعبير عن تلك التجربة. ستلاحظ أن مجموعة "أمضغها علكا أسود" وبعض نصوص المجموعة الشعرية الأولى "حرائق العشق" تعرضت هي أيضاً لتجربتي مع الهجرة، لكن الشعر يمسك بالآني والحسي وبالتفاصيل الصغيرة، لذلك كان اللجوء إلى الرواية لرصد تلك العوالم وتلك التجربة أمراً شبه حتمي.

  • محمد ميلود غرافي

تتحدث في روايتك عن فترة عصيبة من تاريخ المغرب سميت بسنوات الجمر والرصاص، كما تتحدث أيضاً عن واقع الهجرة والغربة ... هل كنت تهدف إلى إنصاف ضحايا تلك الفترة وتوثيق الممارسات غير الإنسانية في العهد الماضي توثيقاً إبداعياً؟ وهل يمكن اعتبار روايتك سيرة غيرية؟

إذا تركنا جانباً المقاييس التي يبنى عليها مفهوم السيرة الذاتية، فإن كل عمل روائي في اعتقادي هو بشكل أو بآخر عمل سيرـ  ذاتي أو غيري. رواية  "لم أر الشلالات من أعلى" نص يجمع بين محطات من تجربتي الذاتية وتجربة الوالد الذي طاله الاعتقال السياسي سنة 1963 وتجارب أصدقاء لي في المهجر وفي الوطن.

لكنه نص يحفل أيضاً بالكثير من الخيال الذي ألبستُه زياً واقعياً. هي كما قلتَ رواية تجمع بين الهجرة والوطن. حين بدأتُ أكتب هذا النص كانت رغبتي هي أن أرصد عوالم الهجرة ممسكاً فيها بما يشكل تجربة جماعية يعيشها الجيل الذي أنتمي إليه، لكن وأنا أكتب وجدت أن الوطن يلاحقني بكل ثقله الرمزي والتاريخي والاجتماعي والسياسي. فكان للذاكرة قسط وافر في صياغة هذا العمل.

بعدها، حين بدأت أشتغل عن رواية المهجر لم أجد رواية واحدة تتحدث عن الهجرة من دون الحديث عن الوطن. هذا يكاد يكون أمراً مستحيلاً ليس في الرواية العربية فحسب وإنما في الرواية الأوروبية أيضاً. وقد سبق لي أن كتبت في مقال عن رواية الكاتب المغربي مصطفى شعبان "أمواج الروح" أن كل كتابة عن الهجرة كتابة عن الوطن.

أما من حيث الهدف، فالحقيقة لم أكتب أبداً بدافع مقصدية بعينها، لكن حين أعيد قراءة ما كتبتُ أجد أن ثمة لا شك بطريقة لاواعية ما يشبه مقصدية التنديد بالظلم والقهر والفقر والتخلف في الوطن وأشكال التمييز العنصري في أوروبا وغيرها من آفات تقهقر الإنسان وانحطاط القيم.

  • محمد ميلود غرافي

في مجموعتك الشعرية الثانية "أمضغُها علكا أسود" يبدو الاحتفاء بالذات في كل مراحلها بداية من طفولتك إلى غربتك في المهجر. لماذا كل هذا الاهتمام بالذات؟ هل هو حنين إلى الماضي العائلي الطفولي الجميل تحت وطأة الغربة؟

قلتُ إن مجموعة " أَمْضَغها علكا أسود" تشكل بصيغة ما المعادل الموضوعاتي لرواية الشلالات. هي مجموعة وقفت فيها عند بعض جزئيات حياتي اليومية في باريس وتولوز في حرص تام على أن يكون الذاتي فيها جماعياً، أي تجربة يعيشها الكثير من أمثالي في بلاد المهجر. وهي كالرواية، تتضمن الإمساك ببعض ذكريات الطفولة التي جاءت ربما كملاذ سيكولوجي للهروب من الواقع اليومي الممل والكئيب أحياناً نحو ما يسميه الكثير منا بالزمن الجميل.

أشير فقط إلى أن ما يميز هذه المجموعة عن سابقتها "حرائق العشق" في ما يتعلق بموضوع الاغتراب والهجرة هو أنها لا تنزع إلى البكائية ولا إلى الانكفاء على الذات، إنما جاءت الذات فيها كمَعْبر فقط إلى المحيط الذي تعيش فيه هذه الذات، وبالتالي كعيْن كاميرا تلتقط جزئيات اليومي في علاقتها بموضوعات أكبر (العنصرية، وضع الطلاب العرب، التشرد، وضع الناس الحزين في المترو، العوالم الغريبة، إلخ)، لذلك فإن هذه المجموعة تحتفي بالأمكنة (مقاهي، ساحات، مترو...) أكثر من احتفائها بذات الشاعر وعوالمها الداخلية.

  • غرافي للميادين نت: ليست هناك لغات استعمارية وأخرى مسالمة

أنت شاعر اخترت الإقامة في فرنسا، والتحقت بالتدريس في إحدى جامعاتها، لكنك مرتبط ارتباطاً كبيراً بالواقع الأدبي والثقافي في المغرب؛ فأنت تحضر مؤتمرات إتحاد كتاب المغرب (وأنت عضو فيه)، والمهرجانات الشعرية بانتظام ... هل أضاف إليك أو أخذ منك واقع الغربة شيئاً في هذا المجال؟

يخطئ من يعتقد أن الهروب من الوطن إلى أقاصي بعيدة ينسيك الوطن. الوطن يظل دوماً يلاحقك في بلدان المهجر والمنفى بصورة رهيبة وبأشكال متفرقة: الوطن هو الأم والأب والأصدقاء والطفولة والمخْزن والفقر وكل ما قد يخطر على بال وأنت تقشّر برتقالة أو تتغزّل بامرأة أو تنظر إلى السماء مشرقة أو غائمة ...وحين تنفرُ من هذه الصور كلها في الصحو تأتيك في المنام والأحلام. فكيف إذن وأنت تشتغل في فرنسا مدرّساً للعربية وآدابها وتكتب شعراً أو مقالاً؟

يستحيل إذن أن تختار لنفسك ركناً منزوياً تسميه الغربة وتتباكى فيه على قدرك. شخصياً، لم أدَعْ ما يسمى بالغربة ينال مني شيئاً. فأنا دخلت باريس بقناعة مفادها أن أرض الله واسعة وأن لا أحد له الحق في أن يثنيني عن عزيمتي الكبرى: طلبُ العِلم. أعتقد أن هذه القناعة حصّنتني كثيراً ضد مشاعر الحنين والنظرات العنصرية الحاقدة وآلام فراق الأحبة. المكتبات في باريس أنقذتني كثيراً. مازلت لحد الساعة حين ألِجُها وآخذ لنفسي مكاناً في أجنحتها أكاد أطير من الفرح. وطني الكبير هو الكتاب. كما أن للجامعة دوراً كبيراً في التوازن الذي حققته لنفسي منذ أكثر من نصف قرن أضف إلى ذلك أن هويتي أصبحت متعددة من حيث أني مغربي وفرنسي معاً، أمازيغي وعربي في الوقت نفسه.

ثم إني لا أحس تجاه فرنسا بأي عقدة: فأنا مدين لها بأشياء وهي مدينة لي أيضاً بأشياء. هي صرفتْ علي من جيبها ومكتباتها وصندوقها الاجتماعي أيام كنت طالباً وأنا أردّ لها اليوم هذا الدين الجميل من خلال انخراطي في فعالياتها وأنشطتها الثقافية ومساهماتي المتواضعة بين أسوار جامعاتها بحثاً وتدريساً.

  • غرافي للميادين نت: ليست هناك لغات استعمارية وأخرى مسالمة

بالرغم من إقامتك في فرنسا ما يقارب الثلاثة عقود بقيت متشبثاً بهويتك المغربية في كل كتاباتك ولم يجرفك التيار الفرنكفوني. ألم يسبب لك ذلك مشكلاً في الأوساط الثقافية الفرنسية؟

 

لست أدري إن كانت هويتي في الكتابة الإبداعية مرتبطة ضرورة بهويتي الأصلية. لقد استفدت كثيراً بوجودي في فرنسا وسط خليط متناغم من اللغات واللهجات وبالعلاقات التي تربطني بفرنسيين وإيطاليين وإسبانيين وسوريين وعراقيين وجزائريين وتونسيين.

كل هذا يجعل من ذاكرتك خزاناً لإيقاعات مختلفة ومعارف كثيرة وينعكس بشكل إيجابي على الكتابة شعراً ونثراً. ثم إن اللغة العربية لديها مكانة محترمة في الوسط الثقافي الفرنسي. كلما شاركت في لقاء أو مهرجان شعري بأوروبا عامة أجد عند الناس إقبالاً وإعجاباً كبيراً بموسيقية اللغة العربية وعوالمها الشعرية.

ثم إني وأنا أكتب بالعربية خصيصاً، أقرأ بالفرنسية أكثر مما أقرأ بالعربية وأعيش بين الناس وأتحدث لغتهم (الفرنسية) وأكتب بها مقالاتي الأكاديمية وأشعاراً أيضاً أنشرها بين الفينة والأخرى في مجلات فرنسية من دون أن يشكل لي هذا ازدواجية مرَضية.

الفرانكفونية مفهوم ملتبس وإيديولوجي. بالنسبة إلي ليست هناك لغات استعمارية وأخرى مسالمة. هناك إيديولوجيات وخطابات فكرية وسياسية تخترق اللغات وتحاول استقطابها لصالحها وأخذها كرهينة، مثلما يحدث مع العربية من طرف التيارات التي تربطها دوماً بالدين. فالألمانية مثلاً ليست لغة هتلر فحسب إنها أيضاً لغة غوته وهيجل وماركس وفرويد وحنا آرندت وهوسرل وغيرهم، والفرنسية ليست لغة لْيوطي أو عائلة لوبان العنصرية فحسب، وإنما هي لغة فولتير خاصة وبالزاك وروسو وزولا ورامبو وبودلير والخطيبي ومحمد خير الدين وإدغار موران و غيرهم.

  • غرافي للميادين نت: ليست هناك لغات استعمارية وأخرى مسالمة

كيف تقيّم الحركة الشعرية الراهنة في المغرب؟

إذا أخذنا مفهوم الحركة بمعنى الإنتاج المتدفق والغزير للنصوص الشعرية فأعتقد بشكل عام أنها بخير. أنا لست من الذين يرون في الكتابات الغزيرة كل يوم على الفيسبوك وفي بعض الصحف والمجلات اليومية أزمة إبداعية أو خطورة على الإبداع الشعري.

من حسنات النشر الإلكتروني أنه حرر النشر من القيود والسلطة التي كانت تفرضها الصحف الحزبية على الإبداع والمبدعين. فالكثير من الأقلام التي ذاع صيتها في المغرب رغم رداءة شعرها كانت من صنع الجرائد الحزبية.

لو كان هناك نشر حر في الستينيات والسبعينيات لوجدنا أنفسنا أمام مشهد شعري مغاير تماماً عن الذي وصلنا عبر هذه الصحف. لذلك أرى في هذا التدفق الغزير من الكتابات الشعرية حالة صحية تساهم في دمقرطة الكتابة والنشر ستؤدي في النهاية من جهة إلى اختفاء من لا يملك موهبة ومن جهة أخرى إلى بروز أصوات مهمة، وهو ما بدأ يحدث منذ العقدين الأخيرين من خلال انضمام أقلام متميزة إلى الساحة الشعرية المغربية والعربية. لكن سيصير الأمر أهمّ ذات يوم وأكثر خدمة للشعر حين سنتوقف عن الحديث الذي لا طائل من ورائه ألا وهو: هذا عمودي وهذا تفعيلي وهذه قصيدة نثر. لا يوجد هذا النوع من الجدال إلا في العالم العربي. في أوروبا وأميركا يكتب الناس شعراً وكفى.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً