نور الهدى صالح

صحافية من لبنان

مُتسوّلون ورجل بشعر أشعث

على هذا الرصيف أبيع العلكة. أفكّر أحياناً بالهرب لكني أخاف. إلى أين أهرب بحق الله؟

  • مُتسوّلون مُهمّشون ورجل ذو الشعر الأشعث

لا شيء سوانا. أنا وهذا الوشاح وقليلٌ من المطر. أجلس وحيدة على رصيفٍ في بيروت. كانت حبّة المطر التي نزلت على وجنتيّ تمهّد الطريق للدموع قبل أن أقرّر البكاء من الصميم.

أعيدوني من حيث أتيت. لا أريد لوح شوكولاته كي أسكت هذه المرّة، رغم الجوع. يؤلمني حذائي الذي مُلِئَ بالمطر. أخلعه. أنظر إلى قدميّ، لقد تجمّدتا من البرد.

المظلّة التي أعطتني إيّاها عجوز رأفت بحالي مثقوبة. أعدّ الثقوب كي أتسلّى: واحد إثنان..عشرة. أنظر إلى نفسي بهذه الحال. أضمّ يديّ على صدري كي أدفأ قليلاً. أشدّ ناحية قلبي، لا شيء هنا سوى الألم.

على هذا الرصيف أبيع العلكة كلّ يوم. منذ أستيقظ عند السابعة. أفكّر أحياناً بالهرب. لكنني كلّما فكّرت ينتابني شعور بالخوف. أسخر من نفسي "وإلى أين أهرب بحق الإله".

الدراجات الهوائية على رصيف البحر تلفتنا، أنا وجبران وميّادة، أقصد ميمي- ستنهال عليّ بوابل من الشتائم إن علمت أني أخبرت أحداً بإسمها- ثلاثتنا ذات الحال، نحاول أن نُلملم ما تبقّى من طفولتنا الضائعة. نتأمّل الأطفال المارّة فتأخذنا مُخيّلتنا حيثُ نحلم، ويعود الواقع ليصفعنا على وجوهنا كما يصفعنا ذاك الرجل الأسمر كلّ ليلة. جبران يسخر دائماً منه يقلّد صوته، نضحك من قلوبنا على حركاته الساخِرة. دائماً ما أقول لميمي لو كان جبران في مكانٍ غير هنا حتماً لكان ممثلاً مشهوراً.

كلّ يوم أقف قرب السيارات، أدنو من نوافذها. غالباً ما تُغلَق في وجهي، لأبقى كالبكماء أتوسّل إلى أصحابها علّ أحداً منهم يشتري علبة علكة واحدة. أنا لست مُتسوّلة. أنا بائعة علكة.

أعيدوني من حيث أتيت. تصدأ حنجرتي من كثر صراخي من دون صوت. يرتعش جسدي من القهر الممزوج بالصقيع. وينساب في أطرافي دمٌ أوشك أن يتجمَّد. أخبِّئ رأسي بالوشاح تحت مظلّة مثقوبة.  ألفّ رأسي بالوشاح أكثر. أشمّ رائحة أمّي. أبتسم وعيناي مليئتان بالدموع وأهمس بصوتٍ متقطّع "أمّي". رائحتها لازالت عالقة على الوشاح الذي أهدتني إياه قبل أن ترحل.

سيارة مسرعة مرّت الآن بلّلتني. أعماني ضوؤها. ألتفت إلى الجهة المقابلة. أشمّ رائحة طيّبة. رجل يمشي بالقرب منّي يحمل كوباً. ليس كوب شاي، ولا قهوة. يمرّ الرجل بجانبي وينظر إليّ وكأنّه يحتقرني. أنا لست مُتسوِّلة. أنا بائعة علكة.

يسألني أحدهم من أين أنتِ. أجيبه بأنني من وطنٍ منسيّ. حيثُ الأحلام تعلو كالموج ثمّ ترتطم على رصيفٍ من حجر. فما يئنّ لأجلها أحدٌ ولا يحن. أبقى ألعنُ لحظة ولادتي ألعن إسمي وميلادي وذاك الرجل ذي الشعر الأشعث. أنادي، أعيدوني من حيث أتيت. أعيدوني إلى رحم أمّي.

أجلس قرب سيارة مصفوفة. الآن سأخبّئ العلكة تحت سُترتي كي لا تتبلّل فأبيعها صباحاً. أحاول أن أتناسى وجعي. سأعانق ركبتيّ وأغفو. علّ أحداً طيباً يراني، فيتساءل "ماذا تفعل إبنة الثانية عشر هنا في هذا الصقيع!".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً