عبد الله بن عمارة

كاتب من الجزائر

ڤناوة والدّيوان ... صرخة العبيد القادمة من التاريخ!

ڤناوة والدِّيوان ... صرخة العبيد القادمة من التاريخ

موسيقيان من أهل الديوان في الجزائر بداية القرن العشرين
موسيقيان من أهل الديوان في الجزائر بداية القرن العشرين

لم تعد موسيقى ڤناوة في السنوات الأخيرة حبيسة مناطق بذاتها في المغرب العربي، أو مرتبطة ببيئةٍ اجتماعيةٍ معينة ومحدودة جغرافياً، بل أضحت مؤخراً واحدة من الظواهر الموسيقية الصاعدة التي تعدّى انتشارها حدودها التقليدية المحلّية، بل وحدود بلاد المغرب ككل.

ولا شك أنّها كأيّة ظاهرةٍ موسيقية (واجتماعيةٍ أيضاً)، تستدعي مِنّا من أجل فهمها معرفة الخلفية السوسيو - تاريخية لنشأتها وتطوّرها.

 


البداية

عازف على القمبري في وهران
عازف على القمبري في وهران

لعبت التجارة بين المغرب والسودان الغربي (تسمية أطلقها الأوروبيون في القرن التاسع عشر على المنطقة التي تضمّ أحواض نهري السنغال والنيجر) دوراً كبيراً، على الأقل منذ (الفتح الإسلامي) لبلاد المغرب، في إحداث تحوّلاتٍ كبرى في التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي (وغيرها من الجوانب الديموغرافية والعمرانية التي لا يمكن حصرها) للمنطقة.

ولذلك فإن معرفة شبكة الطرق والمسالك التي كانت تعبرها القوافل بين بلاد المغرب وتلك المنطقة، وكذا طبيعة التبادل التجاري (نوعية السلع المُصدًّرة والمستوردة، طريقة التبادل، ..الخ) تُعتبر مدخلاً أساسياً لفَهْم هذا التاريخ وتحليله.

فقد تعدَّدت طُرُق القوافل التجارية التي ساهمت في تشكيل "حواضر" في قلب الصحراء وفي ازدهار أخرى، فساهمت في ربط المغارب الثلاثة (الأقصى والأوسط والأدنى) ببعضها من جهة، ومع السودان الغربي من جهة أخرى، كان أهمها في المغرب الأقصى تلك التي كانت تربط بين مدينة سِجْلمَاسَة (قبل خرابها في نهاية القرن 14م )، وغانا وأُودَغْسْت (تقع في موريتانيا الحالية)، وبين مدينتي فاس ومكناس وتُمْبُكْتُو (مالي)، أو بين مراكش وذات المدينة المالية، وفي المغرب الأوسط (الجزائر) ربطت مسالك تجارية طويلة بين مدن تِلمْسَان، وتِيهَرْت ووهران، ومدن ڤاوْ وتُمْبُكْتُو في السودان الغربي مُرُوراً بوادي ميزاب (غَرْدَاية في وسط الصحراء الجزائرية)، ثم وَرْجَلان (تُسَمّى حالياً وَرْڤْلَة في جنوب شرق الجزائر)، أو بإقليم تْوات في جنوب غرب الجزائر (خصوصاً تِمْنْطِيط حاضرته العامرة في العصر الوسيط)، فيما كانت الطريق الرابطة بين واحات الجَرِيدْ (الجنوب التونسي) والسودان الغربي مُرُوراً بالزّاب ووَرْجَلاَن من أهم طُرُق المغرب الأدنى. وتحوّلت محطات التقاء القوافل إلى مدنٍ مزدهرة لعبت دوراً مركزياً في مراحل تاريخية مهمة من تاريخ المغرب .

كانت مدن المغرب تُصدِّر المنسوجات والجلود ومحاصيل زراعية مختلفة، وتستورد من ممالك السودان الغربي، الذهب والملح، ولكن أيضاً العبيد.


صرخات تحكي مآسي الاستعباد

عازف على آلة القمبري
عازف على آلة القمبري

لم يبق من ثقافة العبيد (الذين استمر استقدامهم من "العصر الوسيط" إلى القرن الخامس والسادس عشر خصوصاً في المغرب الأقصى) سوى أهازيج وعبارات لم تعد مفهومة عند أحفادهم في مختلف المدن المغربية التي نزلوا بها (تْوات ووادي السّاورة ووَرْڤْلَة في الجزائر، كما في الصّويرة ومرّاكش في المغرب أو في واحات الجنوب التونسي).

لعلّها من بقايا لغات قبائل الهاوسا والبامبارا، تحكي حجم البؤس الذي عاناه أسلافهم في رحلة "تصديرهم" من ممالك السودان الغربي إلى مدن المغرب، فتشكَّل نمط موسيقي يعتمد على إيقاعات آلة معدنية تُسمّى في الجزائر "القَرْقَابُو"، وفي المغرب الأقصى "القْرَاقْب"، وهي آلة تُمْسَك باليد لتُحَاكي قبضات الأغلال وقعقعة السلاسل التي قيَّدت أيادي أجدادهم طيلة رحلة القافلة الشّاقة.

على أنغام الڤمْبرِي وهو آلة وتَرية ذات ألحان مُمَيّزة، وعلى آلات إيقاعية (مثل الطَعْرِيجَة)، أصبح هذا النمط المُوسيقي الذي تختلف تسميته من بلدٍ لآخر ، ڤناوة في المغرب، الدِّيوان في الجزائر والسطمبالي في تونس، أصبح هو التعبير الثقافي الوحيد الذي يُمَيِّز هذه الفئة الاجتماعية في المغرب العربي.

إلاّ أنه يمكن القول بأن نمط موسيقى الديوان أو ڤناوة ليس ظاهرة موسيقية فحسب، وإنما اجتماعية أيضاً، تحمل نفس الحمولة التاريخية والسوسيولوجية في كل دول المغرب.


طريقة صوفية

القرقابو
القرقابو

لم تعرف القبائل الأفريقية الوثنية في جنوب الصحراء الكبرى الإسلام، سوى عَبْرَ "نسخته" الصُّوفية، لذلك فإن التأثير الصوفي واضح ليس فقط من خلال المدائح الدينية التي تتغنىّ بالرسول وأهل بيته (خصوصاً لالّة فطيمة الزَّهْرَا بلهجات المغاربة )، التي تُشكِّل جزءاً كبيراً من النصوص "الڤناوية" إضافة للأهازيج المُتَوَارَثة باللغةِ الأصلية، أو من خلال طقوس الرقص الصوفي المعروفة بالحَضرة، ولكن أيضاً من خلال تراتبيةٍ في المجموعات الموسيقية الڤناوية مُستوحاة من تراتبيةٍ تقليديةٍ معروفة عند الطرق والزوايا الصوفية كالمعلم (الذي يقابله شيخ الطريقة عند المتصوفة) والمقدم، والڤناوي (الذي يُجسّد فعلياً وضعية المريد الخاضع لسلطة شيخه الروحية والمعنوية).

لقد رسّخ أهل الدِّيوان انتماءهم للإسلام عبر شخصية الصحابي "بلال بن رباح"، الذي مثّل بالنسبة إليهم رمزية استثنائية، باعتباره عبداً مملوكاً وجد في الإسلام ملاذاً لنَيْل حريته، لذا لا تخلو منطقة في المغرب تتواجد فيها "الثقافة الڤناوية" من مقامٍ أو ضريحٍ لسيدي بلال في وهران أو غرداية في الجزائر، كما في الصَّويرة في المغرب.


موسيقى ڤناوة اليوم

الطعريجة
الطعريجة

تماماً كما موسيقى البلوز في الولايات المتحدة فإن هذا النمط الموسيقي خرج من إطاره المحدود اجتماعياً وجغرافياً كنمطٍ خاصٍ بأحفاد العبيد في المغرب العربي الكبير، لِيَشهد انتشاراً كبيراً في العقدين الأخيرين.

فقد أصبحت له مهرجانات دولية في الجزائر علاوة على مهرجان الصَّويرة الشهير في المغرب (أما في تونس فلا نكاد نلمس أيّ تشجيع أو اهتمام بهذا النمط)، وكذلك في أوروبا.

كما ارتفع اهتمام الشباب به كألحان وإيقاعات، بمعزلٍ عن خلفيّته الاجتماعية والروحية، وظهرت فِرَق موسيقية تمزج بينه وبين أنماطٍ جزائرية كالرّاي أو أجنبيةٍ كالبلوز أو الريغي أو الرّاب.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً