بيانكا ماضيّة

كاتبة سورية ورئيسة القسم الثقافي في صحيفة (الجماهير) في حلب

خلف الجدار

أتذكَّرُ الآن سريري وأشيائي التي تناثرت كالشظايا.

على ذاكَ الجدارِ الذي يمتدُّ بامتدادِ الطريقِ المُحاذي له، انظروا كيفَ راحَ يرسمُ هذه اللوحةَ؟! ها هو هناك، هل ترونه؟ ذاك الفنانُ الذي يمسكُ ريشتَه، ألم تروه؟ هو ذاك الواقفُ بقربِ عبواتٍ ملأى بألوانٍ متعدّدة، يرتدي قميصاً رمادياً وبنطالاً من الجينز، وقبعةً بنيةً، وإلى جانبه عمودُ كهرباء، هو الآن يرسمُ بريشته خطوطاً لنافذةٍ على جدارِ أحدِ البيوتِ التي رسمها، انظروا إلى تلك النافذةِ التي تجاورُها ألا تشبهُ نافذةَ غرفتي؟! انظروا إلى تلك الجبالِ التي رسمها على كاملِ الجدار، والتي لوَّنها باللّونِ البنيّ، وأمامَها تلك البيوتُ الريفيّةُ الجميلةُ المتجاورة، ألا تشبه بيوتَ قريتِنا التي لم يبقَ منها إلا أنقاضُها؟ انظروا إلى هذا البساطِ السندسيّ الذي امتدَّ أمامَ تلك البيوت! ألوانُه المستقاةُ من ألوانِ عشبِ ضيعتِنا الذي تحوَّل الآن إلى لونٍ رماديٍّ، ألم تعطِ للجدارِ جمالاً لاحدود له؟!  والأشجارُ التي نثرَها على جانبيّ البيوتِ لتظلّلَها من حرِّ الشمسِ، هل رأيتموها؟! كأنَّها تموجاتٌ من أحلامٍ متداعيةٍ بعيدةٍ لفتياتِ القرية، ألمح في طرفٍ من أطرافِ الجدار نباتَ الصبّارِ وقد وشّى به الرسامُ زاويةً من زوايا القريةِ (عفواً اللوحة) كأنَّه يلمِّحُ إلى شيءٍ من قوّةِ تحمُّلٍ وصبر!! هل رأيتم تلك المرأةَ الريفيةَ التي تمشي متعبةً؟! يبدو أنها انتهتْ من حراثةِ الأرضِ لتوِّها، وهي الآن آيبةٌ إلى منزلِها لتعدَّ الطعامَ لأبنائِها الذين يتضوّرون جوعاً... قد يكونُ ذاك البيتُ الذي رُسم أمامَه حبلُ غسيلٍ عُلِّقت عليه ثيابٌ رثةٌ لأطفالٍ صغارٍ، هو بيتُها، ترى ماذا بقيَ من ذاك البيتِ بعد أن هدَّمتْ أوصالَه قذائفُ رعناء؟!!

أتذكَّرُ الآن سريري وأشيائي التي تناثرت كالشظايا، وحدَهُ الدَّفترُ الذي كنتُ أكتبُ فيه مذكّراتي اليوميّةَ مثلما كان يفعلُ جدّي، بقي كما هو، بقي مرميّاً على الأرضِ، مقلوباً على وجهِه، كأنَّه لايستطيع إمعانَ النَّظرِ في ما حولَه ..

كانتْ كلُّ الأشياءِ ترتعشُ حين أتيناها بعد يومٍ طويلٍ أمضيناه في الحقلِ، لم نلمحْ بيتَنا من البعيدِ، كنا نرى بقايا جدرانٍ وهواءً يقتلُه الغبارُ، وحين وصلنا لم نصدِّقْ ما حدث، أمّي التي راحت في عويلٍ وبكاءٍ لم ينتهِ إلا بموتِها، كانتْ تمزّق أفئدتَنا، رحمَكِ اللهُ يا أمّي لطالما لطمتِ على وجهكِ لأننا خسرنا الدارَ، ولم نكن حينَها نعرفُ ما قيمةُ الدار!!

مذاك اليوم ضاعتْ ذاكرتُنا، لكنَّ الدفترَ الذي بكى طويلاً على حافةِ البقايا لايزال يكتبُ يومياتِه بنفسِه، لم أعد أقتربُ منه، وفي كلِّ يوم ٍكانت تخبرُني أمّي بما سطَّرَه في صفحاتِه من عويلٍ وبكاء، وبما رسمَه من حروفٍ حمراءَ لا أستطيعُ النَّظرَ إليها، لم أكنْ أعرفُ أن أمّي هي التي كانتْ تدوِّنُ أنينَها فيه إلى أن انتهت صفحاتُه يومَ رحلت.

لا أجرؤ على قراءةِ ما كتبتْه يداها، لا أستطيعُ فتحَ صفحاتِ تاريخِنا المخضَّبِ بالدماء، دماءِ الأصدقاءِ وأبناءِ الجيرانِ، دماءِ الشُّبانِ والفتياتِ والأطفالِ الصغارِ الذين رحلوا كالملائكة ...

***

يا له من فنانٍ، ها هو يرسمُ الطبيعةَ التي لم نعدْ نراها إلا في أحلامِنا، يرسمُ البيوتَ التي لم نعدْ نستطيعُ إعادةَ الحياةِ إليها، ينهلّ علينا برسوماتِه وتنهلُّ رسوماتُه علينا بذكرياتِ الماضي، يجمِّلُ هذا الجدارَ بألوانِه المشرقة، وتجمِّلُ ألوانُه المشرقةُ أيامَنا السوداء ...

مارأيُكم لو ننتقلُ إلى خلفِ الجدار؟

***

خلفَ الجدار لم يكنْ هناك فنانٌ ولا رسومٌ ولا ألوان. كانت هناك مرآةٌ طويلةٌ جداً بطول الجدارِ وعرضِه، مرآةٌ صدئةٌ تملأ سطحَها طبقاتٌ من غبارٍ تراكمَ عبرَ سنين، تعكسُ صورةَ مدينةٍ لم يبقَ فيها حجرٌ على حجر.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]