يارا سعد

كاتبة من لبنان

فتاة بنغلادش

وحيدة بقيت في المخفر. ماذا تفعل؟

إنّه يوم الإثنين. موعد مهرجان التسوّق الأسبوعيّ في النّبطيّة (جنوب لبنان). بضائع كثيرة تزدحم فوق أرض السّوق. وأقدام الزّائرين تدغدغ روحها.

الأرض هنا تعرف الكلّ جيّداً. تعرف قصصهم. تعرف عدد زيارات كلّ واحد منهم. تعرف الحاضرين والغائبين، القدماء والجُدُد. تعرف كلّ شيء.

لكنّ اليوم مختلف. أقدام غريبة تدوس أديمها، فتترك آثار قلب حزين منكسر. تتساءل: "مَن هي هذه الغريبة؟ ما بال وقع قدميها يحدث جنون القهر في روحي؟".

*****

وحيدة هي. في العشرين من عُمرها. تسير في مكان غريب عنها وغريبة عنه. تتلفّت يميناً ويساراً. تتأكّد أن أحداً هنا لا يعرفها وأنها لا تعرف أحداً.

إنْ هم أمسكوا بها ف.. فحتماً س..؟ ماذا سيفعلون بها؟ أغرقتْها أفكارها المُخيفة.

سألت نفسها بلغة لا يفهمها المتسوّقون "هل كان صحيحاً أن أهرب؟ ماذا سأفعل الآن؟ أين سأنام؟". صفعة جاءتها من أسئلتها التي لا جواب لها.

اختارتْ زاوية مُهمَلة. جلستْ. أطلقتْ العنان لبؤس روحها. دموعها تحرّرت. متى تتحرّر هي؟

"الشوكولا حزين. ما باله؟" كلمات أتت من شاب أسمر البشرة يماثلها عُمراً. وضع يده على كتفها. ألقى عليها ابتسامة نزق. أثار اشمئزازها. أثار نقمتها. أثار خوفها. تركت تلك الزّاوية وفرّتْ.

قهقهة الشّاب وأصدقائه لم تتركها. لاحقتها. اقتربت منها أكثر. التصقت بها.

فأسرعتْ وأسرعتْ وأسرعتْ.

اندسّت بين النّاس، لعلّ زحمتهم تبتلعها فتضيع. مقتتْ الفكرة ومقتتْ غباءها. الكلّ سيعرفها. كلّهم "بيض". هي وحدها "السّوداء".

*****

تفحّصت السّوق وراءها: عشرات "البسطات" المُتناثرة أرضاً، ومئات المنشغلين عنها بالبيع والتّبضّع. ماذا لو انشغلوا كلّهم عنها وتركوها تحيا بسلام؟

سؤالها عثّرها بلؤم، فتلقّت الأرض رجلها المتورّمة. رأتْها بائعة في إحدى محال النّبطيّة التّجاريّة، فخرجت لتعينها.

هال البائعة المشهد: فتاة سوداء في الأرض... يدها على رجْلها... رجْلها زرقاء متورّمة... دموعها بغزارة شلال ثكلان...

"ما بك؟ هل أحدهم فعل لك شيئاً؟". أدخلت نورا الفتاة إلى محلّها.

"إسمعي، هنا لا يمكن أحد أن يؤذيك، أخبريني أين منزلك فأعيدك".

"توقّفي عن البكاء وجاوبي... لا تخافي... طيّب، سآخذك إلى المخفر يعني البوليس، وهم سيعيدونك إلى منزلك".

"بوليس؟" همّت الفتاة الغريبة بالهروب. لكنّ نورا أوقفتها.

"إذا، أنت هارِبة؟".

"مدام سيقتل أنا" أخرجت الفتاة كلماتها برعب وصعوبة.

"من المدام؟ ما القصّة؟ ما اسمك يا فتاة؟".

بعربيّة ركيكة، راحتْ شومي تحدّث نورا بقصّتها.

*****

من بنغلادش جاءت شومي قبل سنة إلى لبنان.

أمّها وأبوها ماتا قبل أن تبلغ العاشرة. جدّتها لأمّها ماتت بعد ذلك بسنتين. أختها الكبيرة هاجرت إلى لبنان قبل ثلاثة أعوام، ولا أخبار عنها.

أخوها الصّغير مريض. يعقد آمالاً بحجم السّماء عليها. لديه حلمان. الأوّل الشّفاء، والثّاني أن يصير طبيباً ليُعالج الفقراء مجّاناً. حلمان حرما شومي النّوم.

عمل متواصل. طعام بائت وقليل. تنظيف بيوت أقارب "المدام" من دون مقابل. الأحد ليس عطلة. ممنوع أن تخرج من المنزل، إلّا لرمي النفايات. أوراق ثبوتيّة محجوزة. لا طبيب عند المرض. الصّلاة والصّوم ممنوعان. ضرب مُبرَح. زوج مُتحرّش. وأمور أخرى يعجز لسان شومي عن وصفها بالعربيّة.

خيارها الوحيد كان أن تهرب. وها هي الآن تجلس أمام نورا وتقصّ عليها ذلك كلّه.

*****

اجتاحتْ الشّفقة قلب نورا."شومي، هل تذهبين معي إلى بيتي؟".

ردّة فعل أمّها، عندما رأت الفتاة السّوداء بثيابها الرّثّة، كانت كما توقّعتْ نورا.

أخذتْها أمّها إلى غرفة مجاورة وصرختْ "لا يمكن هذه السريلانكيّة أن تنام هنا. إنّها خدعة. ستقتلنا في الليل وتسرقنا. ألا تشاهدين التّلفزيون؟".

عرفتْ صفيّة قصّة الفتاة. رأت عينيها الخائفتين ورجلها المتورّمة. آلمها ذلك كثيراً. أسرعتْ وأعدّتْ خلطة تقليديّة لرجْل شومي، وساعدتها على تضميدها.

"الله يقصف عمرها ويكسّر يديها. مدام قال! عديمة الرّحمة. الله لن يخجل من تعذيبها. ستشوى في نار جهنّم"...

أوتْ شومي إلى فراش دافئ. تركت سكون الليل يغرق في جسدها. تدثّرت بغطاء الطمأنينة السّميك، ونامت.

*****

باكراً استيقظتْ صفيّة. اتّجهتْ نحو الغرفة التي نامتْ فيها شومي لتطمئنّ إليها. لم تجدْها. خافتْ. هل خدعتهما؟

لعنت الشيطان، وفتّشتْ عليها في الغرف الأخرى، فوجدتها تنظّف وترتّب المنزل.

"يا عيب الشّوم! حبيبتي شو عم تعملي. اذهبي وارتاحي، أنا أكمل". اقتربت شومي من الحاجّة صفيّة، قبّلتْها وقالتْ لها "أنت ماما".

دمعتْ عينا صفيّة، وقالت "والله واجب. ما عملناش شي يعني".

صوت باب البيت قطع حديثهما. شاب طويل بلباس عسكريّ دخل وسلّم على صفيّة. رأتْه شومي بعينيها اللتين اعتادتا الشّقاء. هرولتْ إلى فراشها. دفنتْ رأسها في الغطاء وانتحبت.

"بوليس إجت ياخد أنا. رح يقتل أنا. بريء أنا".

كلمات صفيّة المهدّئة لم تنفعْ. لا يمكن شومي أن تصدّق أنّ الشّاب ليس شرطياً جاء ليأخذها. كيف تصدّق أنّه إبن صفيّة؟ صفيّة التي قالت لها للتوّ "أنت ماما". أحد ليس ماما. الشّرّ غمر النّاس، وبثّ أحقاده في شرايينهم. كلّهم في الشّرّ سواسية.

*****

أيّام خمسة انقضتْ. شومي في منزل صفيّة تترقّب. متى ستأتي الشّرطة؟ تمنّتْ أن تموت قبل ذلك. هل ستموت حقّاً؟ ماذا لو كان عمرها طويلاً؟ هل تنتحر؟ إذا انتحرتْ تدخل النّار. وإنْ تحمّلت نار الدّنيا ولم تنتحر، فهل تدخل الجنّة؟ هل الجنّة تشبه بيت صفيّة، والنّار تشبه بيت المدام؟

جارات صفيّة تهافتن لزيارتها. فهمتْ ما أردنه. جئن للتلصّص. كلّهن يردن رؤية "السريلانكيّة الهارِبة".

"صفيّة، لا يجوز ديناً وأخلاقاً أن تبقى البنت في بيتك، أصحابها دفعوا مالاً كثيراً لتأتي إليهم" قالت جارتها.

ردّتْ عليها صفيّة "يعني ذلك لا يجوز، لكن يجوز أن تُضرَب وتُهان وتُظلم؟"...

"إبن صفيّة هو الذي يريد الفتاة أن تبقى، الله يستر".

"صفيّة تركتها في بيتها، لتنظّف لها. كلّ شي ببلاش كتّر منه".

"غداً، ستأخذ صفيّة البنت لتعمل في بيوت الضّيعة، ثم تتقاسم معها المال".

"نسيت صفيّة كيف سرقت الخادمة بيت أمّ هناء العام الماضي. الطّمع. الطّمع".

كلام تطاير في سماء الضّيعة، وتقاذفه الأهالي في جلساتهم، وفي تسجيلاتهم الصّوتية الواتسابيّة.

"كالنّار في الهشيم انتشر الخبر في الضّيعة. لا أخلاق ولا ذوق... يا عيب الشّوم". أخبرت صفيّة إبنها.

"أمّي، غداً يقولون إنّي خاطفها، وأعاقَب. أنا عسكريّ لا تنسي. فلنجد حلّاً".

*****

التّفكير أثقل جسد صفيّة الهزيل. كيف تطرد البنت من المنزل؟ أترجعها إلى بيت مدام لا ترحم؟ أم تتركها هنا، وليحصل ما قد يحصل؟

زيارة مُباغِتة من جارها، شرطيّ البلديّة، زرعت الرّعب في قلبها.

"حاجّة، أنت سيّدة محترمة، الأمانة في منزلك يجب أن تسلّم. سيخرب بيتكم. إبنك قد يُحاكَم. أصحاب البنت قد يقاضونكم. قد يكون للبنت علاقة مع عصابات. ألسنة النّاس لا ترحم. خافي الله".

قال كلامه وتركها مع حيرتها. ماذا تفعل؟

وضّبت حقيبة كبيرة، فيها ملابس جديدة، وبعض الطّعام، ومبلغ ماليّ صغير. وضعت الحقيبة في سيّارتها، وطلبت من شومي ونورا أن ترافقاها.

وصلن إلى الوجهة التي حدّدتها صفيّة.

حدّقتْ صفيّة بعيني شومي البنّيّتين، وتأمّلتْ بشرتها الدّاكنة للمرّة الأخيرة. وجهها بريء كالأطفال، وحجاب رأسها الزّهريّ يزيدها براءة. جميلة هي. أحبّتها. تمنّت لو كانت ابنتها.

أدركتْ شومي سريعاً ما هي مقبلة عليه. حبستْ دموعها. اصطنعتْ القوّة. شكرتْ صفيّة ونورا. طلبتْ منهما المسامحة.

وحيدة بقيت في المخفر. ماذا تفعل؟

أرختْ جسدها إرخاء صاخباً. استسلمتْ للآتي بأعصاب باردة. قريباً قد تكون النهاية. مَن يعلم؟

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]