ليزا حسين اسحق

كاتبة من سوريا

مسقط موت أبي

أيا إبن التراب الأصيل، تلحفِّ الأرض أُمّاً والسماءَ أباً وارجعْ بروحكَ لمسقطِ موتك.

سامحني على نبش نومك الهادئ كل مساء، فرحيلك لم يطوِ ذكراكْ بل غرّبني أنا عن دنيايَ. 
سامحني على هشاشةِ هيكلي أمامَ هولِ غيابكَ.. على خنقِ رمادِ بركانكَ الصامتِ بكلماتي. هل باتت أحرفي توجع جروحك التي استنزفت روحي؟ 
أيا إبن التراب الأصيل، صهرتَ صبري على الاستمرار.. صهرت الخوفَ والحبَّ وعطرَ العُمرَ في حميمِ رحيلك، في صميمِ ألمك. 
أيا إبن التراب الأصيل.. أيا بركاناً ثارَ على خيانةِ الحياةِ للموت، لماذا خدشتَ العُمر بإزميل تعبك؟ تركتني أزحف على أثركَ وتبخّرتَ في منتصفِ الطريق ارتشف زفيرك المُنهك، ألملمُ قطراتِ تعبكَ المُتناثر، هل أجمعها في قلب من زجاج أم في قلب من حديد؟ هل عليّ صلب نفسي إن ما غيّبك النسيان وأتناسى عبثاً إنعاش ذكراك؟ 
إن باتت حروفي توجع جروحك يا أبي، فما تظنّ جروحك فاعِلة بي؟ قاسٍ عليّ حبك تارةً يرمّمُ رملَ روحي وطوراً يهدم موج شوقك بالأدمع صميمي!
لا تسأم إلحاحي استحضارك لقلبي كل فجر. على فتات عُمرك الذي لم تعشه أعيش، فلا تضجر من جُبني على استكمالِ العُمر الرخيص، وسامحني على نبش نومك الهادئ كل مساء. 
أيا هيكل الروح المُتعَب كفاك زرع الشوك في جرحي ودعه يندمل. أتركه يجفّ على أثير الوداع. دعه يؤلم أكثر. 
أيا إبن العشق البعيد، لا تذب في خرائط الوداع ودعني أجمع التراب الذي احتضنك ذرةً ذرةً وتعالَ معي. سأبني لك به وطناً صغيراً بلا حدود، بلا دماء، وطن لك وحدك. تعال تمدَّد ها هنا في ظلّ دفء شمس السلام، ودعْ التراب يكمل لوحة جسدك الناقصة الذي التهمته الشظايا.
أيا إبن التراب الأصيل، لا تقطع وريد ذكراك في فؤادي. لا تحرّرني من إدمانك. دعني أقبع في ظلام ظل رحيلك، فأنا أجبنُ من النظرِ لآصال عمرك تذوب.
أيا إبن التراب الأصيل، تلحفِّ الأرض أُمّاً والسماءَ أباً وارجعْ بروحكَ لمسقطِ موتك، وذرني للأوهام أعلّل نفسي بسذاجة علّتي أنّ الظعن لم يطرق يوماً باب عمرك يا أبي.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]