نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

الحضور الإسلامي في جبيل اللبنانية ... حكاية تاريخ!

قلّما جرى الحديث عن الحضور الإسلامي في مدينة جبيل اللبنانية، رغم أنه استمرّ ما لا يقلّ عن ستة قرون متواصلة.

تنتشر مساجد أثرية عدّة في مختلف أحياء مدينة جبيل اللبنانية التاريخية، فتكشف حقائق عن تاريخ المدينة ليست رائجة في العصر الحديث، وتشكّل علامات فارِقة تُثير جدلاً حول الرائِج عن هوية المدينة، الطاعِنة في حقبات التاريخ المختلفة من العصر الحجري، وما تلاه من عصور، مروراً بالعهود اليونانية، والرومانية، والبيزنطية، ومنها إلى الحقبة الإسلامية العربية، فالمملوكية، والعثمانية.

الإشكالية التي يطرحها وجود المساجد، ترتكز أساساً في البُعد المعاصر الذي اتخذته المدينة في عصر نشوء الكيان اللبناني بصيغته الجديدة في التقسيم الذي أرسته اتفاقية سايكس -بيكو 1918، فجبيل تُعرَف في العصر الراهن بأنها مدينة مارونية بامتياز، تقع في قلب جبل لبنان الذي يغلب عليه الطابع الماروني، مع حضورٍ خجولٍ لبقية المذاهب المسيحية، والإسلامية.

قلّما جرى الحديث عن الحضور الإسلامي في جبيل، رغم أنه استمرّ ما لا يقلّ عن ستة قرون متواصلة، وفي العصر العربي، بُعيْد عام 637 ميلادية، أصبحت جبيل مدينة صغيرة هادئة، ثم سقطت في أيدي الصليبيين عام 1104م. وحوّلوها عام 1109 إلى إقطاع وراثي تابع لكونتية طرابلس، حيث أقيمت قلعتها في تلك الفترة.

أما بالنسبة للوجود الماروني في المدينة، فتقول وثائق البطريركية المارونية إن الرسالة المارونية بدأت في أعالي بلاد جبيل الوثنية مع إبراهيم القورشي، تلميذ القدّيس مارون، في أوائل القرن الخامس، انطلاقاً من أفقا والعاقورة. وسكن فيها البطاركة الموارنة على مدى 695 سنة ما بين سنة 750 و1445، وفي الجيل الخامس حوّل الموارنة هيكل أفقا الوثني إلى كنيسة على إسم السيّدة العذراء، وإسم نهر أدونيس إلى نهر إبراهيم.

وما يُثير الجدل حول هوية المدينة التاريخية، والحضور الإسلامي فيها، المساجد المُتوزّعة في مختلف أحيائها، أبرزها مسجد السلطان عبد المجيد الثاني الذي يقع في قلب سوقها العتيق، في الكتلة الأثرية التي تحتوي آثار المدينة من مختلف الحقب التاريخية.


مسجد السلطان عبد المجيد

عابراً الأسواق الضيّقة، ومحلات التراث، والمقاهي، والمطاعم الكثيرة، يتصاعد الأذان  من مئذنة ثمانية الأضلاع لمسجد السلطان عبد المجيد العثماني، وقبالته مُصلّى مُخصّص للنساء.

في لقاء مع إمام مدينة جبيل منذ 1978، الشيخ غسان ناجي  اللقيس، الحائز على الإجازة في الشريعة والقانون من جامعة الأزهر، يتحدّث للميادين الثقافية عن مساجد جبيل التي "تؤشّر للحضور الإسلامي في المدينة، وأبرزها هو مسجد السلطان عبد المجيد، الذي بُنيَ سنة 1186 ميلادية بناء على ما ذكره العديد من المؤرّخين"، بحسب اللقيس الذي أردف أن "المسجد بُنيَ زمن صلاح الدين الأيوبي".

أما سبب تسميته فيوضحه اللقيس قائلاً "لأنه رُمّم زمن السلطان عبد المجيد، وبعد ذلك، حصل ترميم آخر له زمن الأمير يوسف الشهابي"، مُضيفاً أن "هناك وثيقة تشير إلى أن الأمير الشهابي عندما ولّيَ على جبيل، وجد كنيسة مار يوحنا، وقد حوّلها العثمانيون إلى إسطبل، فأعاد الكنيسة إلى المسيحيين، وبنى مئذنة المسجد، وعيّن إماماً له براتب بالقروش".

أما مئذنة المسجد، فهي تتمايز عن بنائه بحجارتها الكبيرة والمصقولة، خلافاً لحجارة المسجد الصغيرة، ما يُعزّز الاعتقاد أنها بُنيت في زمن مُغاير لبناء المسجد.

ومن الميزات الأخرى للمسجد أن "منبره حجري، بينما كانت المنابر عادة من الخشب، بالإضافة إلى ساعة محفورة فوق المئذنة لمعرفة وقت الصلاة، والساعة صحن حجر مجوّف، لكن فُقِدَت منه القطعة التي تؤشّر إلى الوقت، وإلى مواقيت الصلاة، إضافة إلى وجود نبع للمياه، يُستخدَم للطهارة".

تثري المسجد لوحة هي صورة لوثيقة، الأصلية منها موجودة في متحف بريطانيا، بحسب اللقيس الذي أوضح إنها "الرسالة التي أرسلها النبي محمّد، إلى أمير البحرين، يدعوه فيها إلى الإسلام".

المسجد بصيغته الأصلية أشبه بمربّع صغير، تعلوه قبّة تراثية معهودة في مساجد المرحلة التاريخية عينها، ومدخله الأصلي لجهة الغرب، يتغطّى بإنشاءات حديثة أقيمت بهدف توسيع باحة الصلاة.

والمدخل الأساس هو من حجارة مُقنطرة، تعلوها نقوش زخرفية جميلة في خطين، وفوق المدخل الرئيسي السابق ارتفعت لوحتان منفصلتان، لكنهما متراتبتان فوق بعضهما بما يخالف التسلسل التاريخي للترميمين، فنقش على اللوحة العليا منهما بالخط الثلث المتداخل: "رُمّم في عهد السلطان عبد المجيد"، وتحتها "رُمّم في عهد الأمير يوسف الشهابي".

وبالنسبة للمُصلّى النسائي، فيوضح اللقيس أنه "كان في الأصل زاوية، وهي ردهة للتعبّد والاعتكاف، بُنيت زمن العثمانيين".

الزاوية تابعة للمسجد منذ تأسيسها، مُرمّمة بصورة لائقة متناسبة مع المحيط، يحوطها سور من الحديد المشغول على بساطة حراب، لكنها تحافظ على طابعها التراثي.


سمكة السلطان إبراهيم

هناك مسجد، أو مُصلّى آخر، إسمه مسجد السلطان إبراهيم إبن أدهم نسبة إلى الإمام العابد الزاهد إبراهيم إبن أدهم الذي سكن مدينة جبيل لفترة طويلة، وأصله من بلاد فارس، والمسجد "بُنيَ في زمن الخلافة العثمانية، وخصّص للبحّارة، في ميناء المدينة، لتأمين صلاتهم، ويتميّز بأن تحته بئر ماء لأجل الوضوء وحاجات الصلاة"، وفق ما يُخبرنا به الشيخ اللقيس.

ثم يروي اللقيس أن لإسم السلطان إبراهيم قصة خاصة هي قصة السمكة، فهذا السلطان اشتهر بالمكرمات الكثيرة، وتعرف من عنوانها "سمكة السلطان إبراهيم".

وحكاية المكرمة أن "إبراهيم إبن أدهم، عندما ترك مال والده الكثير، وإرثه الكبير، وجاء إلى هنا، كان يعيش على البحر، وراحت أمّه تبحث عنه، فوجدته جالساً على البحر وهو يرقّع ثوبه، ثم تعجّبت منه، ونادته أيا إبراهيم، ماذا تفعل؟ أتترك إرث أبيك، وملكه، وجاهه لكي تأتي إلى هذا الشاطىء وتعيش هذه العيشة؟ إبراهيم، بحسب الرواية، لم يتفوّه بأية كلمة، حتى انتهت أمّه، إذ ذاك، نظر إليها، وكان يحمل إبرة بيده، فرمى الإبرة في البحر، فتلقّفتها سمكة، بفمها، ثم أعادتها إلى إبراهيم إبن أدهم، فلما رأت أمّه ما حصل لإبراهيم من كرامة، تركته وشأنه، فسمّيت هذه السمكة بسمكة السلطان إبراهيم نسبة لإبراهيم إبن أدهم".

وهناك مسجد الخضر العثماني، في زمن اهتمّت الخلافة العثمانية بنشر المساجد، والمقامات لذلك كانوا يبنون منها تلك التي ترمز إلى وجود وليّ من أولياء الله، ثم يُقام المسجد بقربه، لذلك، يبدو مسجد الخضر صغيراً، ولكن ينقسم إلى قسمين، قسم إلى المقام، وقسم للصلاة.

مسجد الخضر بُنيَ وأُسميَ بذلك، اعتقاداً من بعض المسلمين أن الإمام الخضر يسكن على شاطىء البحر، وأنه لا يزال إلى الآن حيّاً.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً