علي عاشور

كاتب من السعودية

صهد المحبين .. لغريب أوتاوا!

حمل صفة "البدون" فهاجر الكويت قسراً، لكن وطنه ظل يزهر في داخله. إليكم شهادات بعض أصدقاء وقرّاء الروائي الراحل ناصر الظفيري.

  • صهد المحبين .. لغريب أوتاوا !
  • صهد المحبين .. لغريب أوتاوا !
  • صهد المحبين .. لغريب أوتاوا !
  • صهد المحبين .. لغريب أوتاوا !

الأربعاء، 20 آذار/مارس 2019. بداية الربيع ونهاية الشتاء في مدينة أوتاوا، العاصمة الكندية. كان اليوم نفسه الذي رحل فيه الروائي ناصر الظفيري. حدد موعد التشييع يوم الجمعة، فكنت أول من وصل إلى المقبرة في ظهيرةٍ باردةٍ من حضور التشييع، وكان العمّال يحفرون القبر. جمعةٌ ماطرة تخللها ندف ثلج خجولة، كمنديل تنتفه الغيوم، كمنديل وداع.

جملة تقولها سماء غريبة لراحلٍ غريب. بعد ساعة من الانتظار وصل الموكب. موكب صغير يحيطه البياض، يليق بحبّ غريبٍ ينبع بياضاً. عندما أخرج التابوت، كنت أحاول أن أجد الزاوية المناسبة لأقول "وداعاً... وداعاً ناصر".

أخرجت هاتفي والتقطت ما استطيع من الصور حتى وصلنّا للقبر. أنزل التابوت، وحان وقت الدفن. ثلاثة معاول كانت أمامي مباشرة لم أجرؤ على أخذ خطوة واحدة. قدماي رفضتا تلبّية رغبتي بدفن صديق عزيز. يداي تجمّدتا من الغصّة لا من برد كندا. حينها أردت أن أبدل كلمة "وداعاً " بـ "إلى اللقاء". هكذا لتبقى مسافة ما بين ما هو حاضر وما هو غائب، أو لأربّي وهم العلاقة المتصلّة مع الغياب، لتبقى صفحة العلاقة بيضاء، كأوتاوا، كناصر، مفتوحة إلى آخر العمر. ربمّا، أردت أن تبقى شاعرية النظرة الأخيرة. أردت أن أتذكر عينيّ ناصر مفتوحتين.

قدّم الظفيري أعمالاً كثيرة منها "وليمة القمر" و"أول الدم" و"أبيض متوحش" (مجموعات قصصية)، وفي الرواية "عاشقة الثلج" عام 1992و "سماء مقلوبة" عام 1995 والتي أعيد طباعتها لاحقاً من قبل (دار مسعى) عام 2011، وكذلك رواية "أغرار" عام 2008 ، ثم رواية "الصهد" عام 2013 والتي كانت أولى (ثلاثية الجهراء) التي أردفها بـ "كاليسكا: القيوط يطارد غزالاً" عام 2015 و"المسطر" عام 2018.

الروائي الراحل ناصر الظفيري من مواليد الجهراء في الكويت العام 1960. هو ممن يحملون صفة "بدون" لكنه حمل بداخله الكويت كوطن تغنى به في جميع أعماله، إذ رفضته الأخرى لحملها إياه وإعطائه الجنسية حتى رحل إلى كندا عام 2001.

الميادين الثقافية تقدم للقارىء شهادات بعض أصدقاء وقرّاء ناصر الظفيري، والتي تدعو إلى الالتفات وقراءة أحد أهم الروائيين في الخليج والعالم العربي.

محمد النبهان – الكويت

  • صهد المحبين .. لغريب أوتاوا !

ناصر الظفيري قبل أن يهاجر إلى كندا كتب هجرته كلها قبل أن تحدث في مجموعتين قصصيتين ورواية، ثم حيث استقر في أوتاوا، صار ينظر لما كتبه بعين أخرى, وبنظرة أشمل لواقع الإنسان الكويتي المسلوب الهوية، فكتب ثلاثية الجهراء (الصهد، كاليسكا، المسطر).

لو شئت يمكنك القول إن المرحلة الأولى كان يكتب الحلم والرغبات وجموح أفكار الإنسان الغريب. وحين تحقق الرحيل رأى الأرض بعين الروائي المحترف. ناصر الظفيري روائي محترف يمتلك أدوات حقيقية في بناء روايته، ولديه عدّة فكرية وخزين من قراءات وحكايات وبشر مروا في حياته ولم يفلت منهم أي حكاية كانت، فاستطاع أن يبني هذه العوالم المركبة منهم.

عشت مع ناصر الوطن والغربة والثلوج والأحلام، لكنه غادر كأحد شخوص قصصه وحيداً في شتاء أبيض بارد وأسطوري، ليكن أيقونة للغرباء المحرومين، "البدونيين"، في كل الأزمان.

عبد الله السفر – السعودية

  • صهد المحبين .. لغريب أوتاوا !

أن تتابع أمل، التحليق مع الأمل. ثم تهوي مرضوضاً، ذلك شأني مع مرض ناصر حتى فجأة الغياب المضاعف في بياض الغربة الشاسع.

وما أحدّ تلك المفارقة وما أبلغ مرارتها، حين يرتفع "الصهد" بموازاة "الثلج". حزّان غائران في الحضور حيث لا جنسية، وفي المنفى حيث لا وطن. جحيمان من يصمد أمامهما يا ناصر. تستبسل وتستبسل فيما السّلك ينزل في اللحم ويضغط على عصب الروح.

ونسمع ويا لهول ما نسمع – إكباراً شرق له الدمع – تلك الشهادة المقتضبة. الكلمة المختزلة؛ تختزن الوطن فيها. في تضاعيفها أنت "وأمة من البدون".

عندما تعجز الأوراق أن تسمّي. وأنت تسمّي وتحوز "وطناً" هو كيانك وهو وجودك وهو جذرك. يا ناصر، قد تعافكم الأوراق. تلك الأوراق التي تستعصم دونكم .. غير أنّ من يدوّن مجدها سيجد اسمك في الأعلى منها.

سعود السنعوسي - الكويت

  • صهد المحبين .. لغريب أوتاوا !

أن تتحدَّث عن ناصر الظفيري في حدود 150 كلمة، لهو أمرٌ مستحيل. أما الحديث عن الرَّحيل الموحش لناصر على هذا النحو غريباً هُناك.. يبدو الحد الأعلى لعدد الكلمات كبيراً فضفاضاً على نحو لا يُحتمل، لأن لا شيء يُقال في هذا الفضاء.

فقد قال أبو بدر كُل ما لديه ورحل. آمن ناصر بأنه "صاحب مشروع روائي لقضية مهمة ونبيلة"، وهكذا كان يُعرِّف نفسه، وهكذا عرفناه.

نحن اليوم، برحيله، لا نُحيي أحزاننا على فقد صوت روائي كويتي عربي مهم وحسب، إنما هو شعور بالغصة تجاه شريك وطنٍ وكتابة لم تمنحه البلاد اعتراف شراكة ومواطنة، وطَّنَ الكويت في وجدانه، وغادر بعيداً بحثاً عن ذاتٍ لم تتحقَّق في وطنه الأم.

قراءة ناصر واجبة، من أجل ناصر، من أجل الكويتيين "البدون" ومن أجلنا جميعاً. وإن تطارشت الدولة عن صوت ابنها الطَّريد، وتعامت عن صورة نعشِه البارد، فالمبادرات الأهلية التي تحتفي بتجربة ناصر الظفيري وتؤبنه اليوم لهي دليل على أن ناصر كَبُر على وطنٍ ضاق به.

شيماء الوطني – البحرين

  • صهد المحبين .. لغريب أوتاوا !

أن تتعرف إلى ناصر الظفيري، فإن كل ما تحتاجه لا يتعدى إبتسامة وتحية وستجد نفسك قد تغلغلت إلى أعماق روحه النقية!

التقيته أول مرة كاتباً حين أمسكت (سماء مقلوبة) ،ولم يدر في بالي أني سألتقي بكاتبها وأنّنا سنكون صديقين عبر العالم الإفتراضي.

في العام 2014 أثناء (معرض الشارقة الدولي للكتاب) كنت قد أنهيت قراءة (الصهد) وكانت المصادفة أن ألتقي بأبو بدر في اليوم الذي تلى ذلك! لم أشعر يومها أني ألتقيه للمرة الأولى. كانت روحة المرحة النقية كافية بإشعاري أن هذا الرجل صديقي لعمرٍ طويل، منذ ذلك اليوم كان التواصل بيننا مستمراً من دون إنقطاع .

(طمني عليك) كانت العبارة التي أفتتح فيها رسالتي إليه بعد إصابته بالمرض، وفي كل مرة يخبرني فيها عن حالته كانت روحه الشفافة النقية تستشعر القلق الذي بداخلي فيسارع إلى طمأنتي أنها مجرد "أزمة" وستنتهي!

كان مفعماً بأمل النجاة، وأستطيع الآن أن أقول إن مرض السرطان وإن حرمنا من ناصر الظفيري إلا أنه لم يهزمه. سلاماً لك يا ناصر الظفيري وسلاماً لروحك النقية أينما حلت!

سعد الياسري – العراق

  • صهد المحبين .. لغريب أوتاوا !

يمضي ناصر الظفيري في رحلة أخرى، يمضي هذه المرة إلى جهامة لحدِهِ في أوتاوا الكندية؛ حيث الغربة في معانيها الأبعد.

يمضي بلا خيبات يطرِّز بهنَّ شقاءَ أيَّامه، بلا الجهراء وعشيشها وتيمائها وأنبيائها "البدونيين". يمضي بلا هوية أو إحصاء سكاني يقيِّم صلاحية خلاياه الوطنية لمهمة حمل وثيقة (مواطن) في بلدٍ لم ينتمِ إلى سواه.

يمضي ناصر الظفيري، صاحب المشروع الروائي الحقيقي والأهم كويتيّاً بتقدير يبعد الراحل الخالد إسماعيل فهد إسماعيل. يمضي المهموم بقضية كبرى أخذ على عاتق منجزه الإبداعي إبرازها كسردية إنسانية – ملحمية رفيعة الشأن تبدأ مع بواكيره القصصية والشعرية منتصف ثمانينيات القرن الماضي، لتنتهي بأنضج تجاربه وآخرها زمنيّاً (ثلاثية الجهراء).

يمضي ناصر الظفيري، أخي وصاحبي والنفيسُ في عينيَّ نحو وحْشة غيبِهِ الغامض، هادئاً، وادعاً، قويّاً وصامداً حتى النِّهاية أمام الأبيض الذي توحَّش في جسدهِ.

يمضي ملوِّحاً لنا، أعني لمن عرفوه وعرفهم، وحملوه في أعلى يسار الصدر وحملهم، وكاشفوه في اللحظة المكلفة والصعبة وأنصت إليهم؛يمضي ملوِّحاً لهم بيديه النظيفتين: لا تحزنوا، لقد نجوتُ من مكائد عدة قبل هذا الموت!

فهد توفيق الهندال – الكويت

  • صهد المحبين .. لغريب أوتاوا !

الصهد والبرد الصهد، عنوان أول أعمال (ثلاثية الجهراء) للروائي المرحوم ناصر الظفيري، قدّم خلالها ناصر هويته السردية التي تتشابك في حبكتها مع التاريخ عبر المكان باعتباره الشاهد بمحركي صراعه (الثابت والمتحول) في رصد جانب ما من جوانب مجتمع ما، لتدور حولها مفردات الخطاب وتتشكل معها عوالم السرد.

ولأن الرواية مشروع في الكتابة الملحمية - كما ذكر ناصر في أحد لقاءاته - أو قراءة في تاريخ الكويت، وبعد صدور الثلاثية كاملة، بت أراجع ما كتبته وقتها، لأجد أن الثلاثية جاءت ملمة بجوانب كثيرة وأماكن مختلفة ترصد متغيرات عامة وتحولاته على مختلف الأصعدة كما في عدد من الروايات العربية كرباعية إسماعيل فهد إسماعيل أو ثلاثيته عن النيل أو أرض السواد ومدن الملح لعبدالرحمن منيف وثلاثية تركي الحمد.

ففي الصهد اعتمد ناصر في تركيز عدسته على مدينته «الجهراء» كمكان متخيل عن الكويت عموماً، وهو ما كان في روايته السابقة (سماء مقلوبة)، وهـو قد يصح للروائي من دون المـؤرخ على اعتبار أن العمل الروائي بمجمله متخـيل ولو قـام على أسس واقـعية.

وفي (كاليسكا)، نجد أن اللغة الأم عندما تهاجر أو تهجّر ولو في موطنها الأصلي، لا تغادر جسد أبنائها ولو في أحلك الظروف، لكونها الذاكرة، مهما ازدادت فيها الثقوب بفعل الزمن، والندوب بفعل الإنسان، ربما قد لا يكون الآخر، ربما الأنا ذاتها، عندما تحاول التخلص من الماضي المشكّل لحقيقة واقعها.

كما شخصية العقيد عبدالرحمن اليزاز، الذي رفض أي شكل من العلاقة بين شقيقته رشا والعوّاد بحجة أنه أقل منهم اجتماعياً، في حين الأصل الواحد يجمع الاثنين، وحدها الصدفة التي فرّقت بينهما اجتماعياً في الكاف الأولى، الكويت.

كذلك على الضفة الأخرى، أو الكاف الثانية، كندا، مهما صوّرت للجميع أنها الحلم للمنفيين لغة وهوية، إلا أنها بالحقيقة فخ، لو تم تجميله ببعض الخرافات أو الأساطير، فهو فخ للأحلام، أو الأوهام.

ومع ذلك، هي حلم افتراضي، في ذاكرة اللغة المنسية الأصلية، كما جاء في وصف الطبيعة هناك على لسان ستيفاني للآخر الذي معها من هناك، العوّاد أو فهد غانم، أيا كانا فهما واحد ولو أنه اسم لشخصين: «كلما جئت هنا جلست لوحدي أصنع عالمي السابق والذي لم أعشه كاملاً هنا أرى قبيلتي وأطفالها وأسمع لغتهم وأعتقد أنني أجيدها، أرى جدي يدخل (البايب) كطقس ديني للخالق الذي منحنا الأرض».

الوطنُ، غربةٌ شكلت لناصر الصهد. والغربةُ، وطنٌ مسكون بالبرد. رحمك الله يا ناصر، في وطنك وغربتك.

سليمان المعمري – عُمان

  • صهد المحبين .. لغريب أوتاوا !

سمعتُ باسم ناصر الظفيري أول مرة من الصديقة الكويتية الكاتبة باسمة العنزي التي رشّحته لي كأديب كويتي يكتب فنّاً روائياً مختلفاً عن السائد. كان ذلك منذ سنوات طويلة، لكن تعرُّفي الشخصي الأول به كان متأخراً نسبياً, تحديداً في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2016 عندما قدِم إلى مسقط لتقديم ورقة نقدية عن رواية "الباغ" لبشرى خلفان.

أذكر أنه زارني الإذاعة برفقة بشرى. ولم تمضِ إلا دقائق حتى شعرتُ أنني أعرفه منذ زمن بعيد. كان دمثاً، متواضعاً، بشوشاً، يُشجّعك على رفع الكُلفة معه من دون تخوّف.

بعد أن غادر عُمان ظللتُ حريصاً على متابعة أخباره عبر صفحتيه على فيسبوك وتويتر، ومقالاته في صحيفة الجريدة الكويتية، تلك المقالات الجريئة التي كان يقول فيها عن المشهد الثقافي العربي ما لم يجرؤ على قوله كثيرون.

كيف أنسى مثلاً مقاله عن إحدى الروايات الفائزة بالبوكر التي اعتبرها سقطة لكاتبها، وهو كان رأي كثير من المثقفين ولكنهم لم يجرؤوا أن يقولوا ذلك علناً لسطوة اسم الكاتب.

في نيسان/أبريل من العام الماضي اتصلتُ به هاتفياً وهو في الكويت، بُعيد الأمسية الاحتفائية التي نظمها له أصدقاؤه. كنتُ حريصاً على سؤاله عن شعوره بعد تلك الأمسية النبيلة، فكان جوابه مُبهِجاً لي: "تلك الليلة لم أستطع أن أنام، كانت ليلة جميلة جدا، وكانت بالنسبة لي هي ما أطمح إليه؛ أن يكون أصدقاؤك هم وطنك، وهم مَنْ يحتفون بك".

كلما أتذكر الآن هذه الأمسية أشعر بالامتنان الشديد لمن فكر فيها ونفذها. فحسبُها أنها أسعدتْه وهو في أيامه الأخيرة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً