ليزا حسين اسحق

كاتبة من سوريا

ارتقِ ... كن فأر تجارب

أيها الملطّخ بالانتظار .. الآن أيقنت أن الميت ليس فقط مَن توارى تحت التراب.

 

أحياناً عليك أن ترتقي بنفسك إلى مستوى فأر تجارب، لكي تفهم نفسك المتراكمة وتجرّدها من آثار التواريخِ والأزمنة..  لا بأس أن تكون ذاك الفأرلأشهرٍ بشرية.. لدقائقَ اعتلال، شرط أن تعي تماماً ما تريدُ استخلاَصه من هذه الفترة الدقيقة.

الآن أيقنتُ شعور الاختناق بالهواء.. كيف  يكون ثقيلاً لا يُطاق ، لكني رغم قماتة هذي الصورة أيقنتُ بياضَ الانعتاق.. لذا أصبح كسرها يستحوذُ خلايا العقل وجزيئات الروح إدماناً صحياً منقوعاً باليأس معلّقاً بالألم.

للأرواحِ أصواتُ لا يسمعها سوى مَن ارتقى بنفسه لفأر تجارب، وسمح لغطرسته البشرية القبيحة أن تغتسل ببعض الحقيقة بعيداً من عبء النفاق.. تخرج بصمت.. بترددٍ... من قعرِ الروح على أطراف أصابع  الصواب كي لا يستفيق الوَجل على سوط الانشراح..

حيث اليقين يختبئ بعيداً من أعينهم المليئة بالشكّ ليحافظ على قداسته  يقبع بداخلك في جوف الخوف هناك... يخدش ضميرك كعصفورٍ مسجنونٍ كلَّ يوم مرة واحدة فقط.. مرة واحدة كفيلة بتدميرِ غطرستك المُزيّفة ، لتجد نفسك أصغر من كل الصغائر التي أهملها مَن حولك على مدار السنين.. تهوي بتيار النسيان لوحدك محاولاً عبثاً استنهاض صوت روحك المدفون..تجده بين أشلاء بحّاتِ الألمِ المنسيّة .. وآمال الروح المنفيّة.. غارقاً في العبرات التي لم تغادر شرفة الفؤاد، في سريرة نفسك ستتوه.. ولن تجده لأنك لم ترتق بروحك لثوان ورقية لمستوى فأر تجارب.

ها أنت ذا أيها الملطّخ بالأمل ، هل ظننت الكون أصغر من أن يتّسع لضحكاتك،  إذاً فاحذر لسعة الأنوار الصارِخة التي تجرفُ أدقّ ما فيك.. حاذِر أن تبني فرحك على آمال وَهْم آخر.. فأنت غير قادر على استيعاب وَهْمك أنت ، خذ آمالك الصغيرة واحفظها في علبة ثقاب لجانب قنبلة قلبك الموقوتة وانتظر.. وانتظر تلك الأنوار الصارِخة عندما تصرخ بوجهك المُفعَم بالألم وانتظر.. وانظر لشلل عقلك الدائم وغيبوبة حبّك التائهة .

ها أنت ذا أيها الملطّخ بالانتظار .. الآن أيقنت أن الميت ليس فقط مَن توارى تحت التراب .. كم من ميت روح حولنا ونتعامى عن إبصاره عمداً .. نشيح عنه بالعناق بانتظار رحليه عنا... نراه يرحل رويداً رويداً يهوي بكله بعيداً من الحياة.. ولا يرانا لأننا لم نعد نراه ..

ها أنت ذا أيها المعبد بالحقيقة كل ما بداخلك حال لشوك يوقظ وهمك إن ما لهثت إلى ما ليس لك ، عد لقعر واقعك المُلطّخ بالنكران واصطدم بأسوارك الغبية وامضِ ما تبقّى من أيامك داخل دراجة دائرية تدور حول كل شئ عدا الحقيقة وانتظر.. انتظر لتخمُد علبة الثقاب لا لتشعلها بأنداء دموعهم الكاذبة يوماً ما .

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]