حسان شعبان

حسان شعبان رئيس قسم المكاتب الخارجية في قناة الميادين و إداري في غرفة الأخبار، بدأ العمل في قناة الميادين في العام 2012، حائز على ماجيستير في ادارة الاعمال و لديه دراسات حول ادارة المؤسسات الاعلامية و التنمية البشرية.

هل نجح محمّد رمضان في أن يكون "نمبر وان"؟

"مافيا" و"نمبر وان" و"ملك". كيف وصل محمد رمضان إلى ما هو عليه اليوم؟

يُهدّد بأنه "مافيا" ويدَّعي أنه "نمبر وان"، فلا عَجَب إذا نصَّب نفسه "الملك" على العرش. هذه عيِّنة من عناوين أغاني الفنان المصري محمّد رمضان، الذي اشتهر بأدواره التمثيلية الشعبية العنيفة ولاقى إعجاب الجماهير حتى باتت أفلامه ومسلسلاته الأكثر مُشاهدةً وأصبح من الممثلين الأعلى أجراً.

في السنوات الأخيرة زاد مُنتقدوه من نُخَب ثقافية وفنانيين وإعلاميين مُعتِبرين أن أدواره تؤثّر سلباً على صورة مصر وتجعل شبابها أكثر ميلاً للانحراف بسبب تجسيده الدائم لدور "البلطجي" وفي إظهاره بصورة مُحبَّبة وجذّابة ما يُحفِّز الشباب على الاقتداء به. نجح الانتقاد بعض الشيء في البدء، فتم استثناؤه من مهرجانات تكريمية عدّة وخشيَ بعض المُنتجين العمل معه.

في مواجهة هكذا حملة، ينكفىء الفنانون قليلاً ليستوعبوا الصدمة ويعمدون تدريجياً إلى تلميع صورتهم وتعديل مُنتجاتهم الفنية بالشكل والمضمون ليستسيغها الجمهور والنقّاد إلا أن رمضان اختار المُضيّ قُدُماً بنموذجه مُتجاهلاً المخاطر والنصائح. فعلى ماذا راهن الفنان الشاب الذي نشأ في الأحياء الفقيرة؟

بسرعةٍ ردّ على مُنتقديه بإصدار أغنية من نوع موسيقى الراب بالإيقاعات السريعة والمُتكرِّرة المُحبَّبة لجيل الشباب ليُعيد إثبات حضوره أمام جمهوره وليستقطب فئة جديدة من الشباب في سبيل تبووء موقعه الريادي. فخرجت أغنية "نمبر وان" إلى العَلن في تموز/يوليو في العام 2018 وسُرعان ما لاقت نجاحاً باهراً فشاهدها على موقع (يوتيوب) وحده أكثر من 95 مليوناً، وبعدها بشهرٍ واحدٍ أصدر أغنية أخرى بعنوان "الملك" (أكثر من 81 مليون مُشاهِد على اليوتيوب)، بالرغم من ارتباطاته بأفلام ومسلسلات رمضانية ، إلا أنه استطاع خلال 3 أشهر إصدار 3 أغنيات، "مافيا" و"فيروس" أما أغنتيه الأخيرة "قمر" التي صدرت مؤخّراً فقد حصدت 8 ملايين مُشاهَدة على اليوتيوب في أسبوعها الأول.

في عالم الأعمال تتوسّع المؤسّسات أفقياً وعامودياً وفقاً لاستراتيجياتها، وهكذا فعل مُجسّداً شخصية "الأسطورة". فبعد توسّعه عامودياً في التمثيل لجأ إلى توسّعٍ أفقي في مجال الغناء مُحدِّداً شريحته المُستهدفة بالشباب ، ولذلك اختار الراب الذي يدخل بسرعةٍ إلى عقول وقلوب الشباب.

حملت كلمات أغانيه رسائل موجّهة إلى مُنافسيه ومُنتقديه وهذا النوع من الراب يُسِّر ويؤنس الجمهور نظراً لما تتضمّنه كلماته من مظاهر للقوّة والتفوّق ، بالإضافة إلى نصائح للنجاح من خلال سرد قصة حياته مُتعمداً إظهار نفسه بصورة البطل الأسطوري، فيروي في أغانيه قصص انتصاراته وقُدرته في التغلّب على خصومه وأعداء نجاحه. كما يتفاخر في كليباته المُصوَّرة في إظهار عضلاته وأسوده المروّضة ، ويستعرض سياراته الفارِهة وحمّام السباحة، ويُحيط نفسه بالفتيات الحسناوات.

يعتبر السواد الأعظم من الناس أن النرجسي، المغرور وصاحب الأنا المُتضخّمة منبوذ ومكروه، وأن المُتواضع الدَمِث محبوب ومرغوب لكن هذا التصوّر ليس دقيقاً، مَنْ منا لا يحب أبيات أبو الطيّب المُتنبي التي يمتدح بها ذاته "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي مَن به صَمَم"، وقوله الآخر "ما أبعد العيبَ والنقصانَ عن شرفي أنا الثريا وذان الشيبُ والهرمُ".

فالناس تستأنس سماع كلمات المغرورين خاصةً حينما يغلّفون أقوالهم بإهدافٍ نبيلةٍ ويُمجِّدون أنفسهم كأبطالٍ عُظماء فيعيش المُستمِع الحالة ويرى نفسه بطلاً مُشابهاً للشاعر أو المُغنّي.

مقالات كثيرة وبرامج عديدة انتقدت محمّد رمضان مُعتبرين أن أغانيه تُسمِّم عقول الشباب وتشكِّل إساءةً غير مسبوقة للفن ولرسالته السامية، حتى أن بعضهم طالب بمُقاطعته، لكن لم ينتبه هؤلاء إلى أنهم قد أسْدوا له خدمةً كبيرة فقد جعلوه حاضراً دوماً في الإعلام وأضحت أدواره وأغانيه مواد دَسِمة للنقاش، فأضحى إسمه يتردَّد على كل لسان، وكما تقول قواعد الأعمال أن مُجرِّد الدعاية ولو كانت سيّئة فهي جيّدة بالفعل، لأنها تؤمَّن انتشاراً واسعاً لصاحب الدعاية وبذلك حوَّل رمضان المشكلة إلى فرصة.

وهكذا صارت نِسَب مُشاهدته ومُتابعته تتضاعف وتزداد أكثر فأكثر. وفجأة استفتى رمضان جمهوره على وسائل التواصل الاجتماعي حول إقامة حفلة غنائية في القاهرة واستجاب إلى رغبتهم مُعلناً عن حفلته الغنائية الأولى في 29 اذار/مارس 2019 تحت إسم "أقوى حفلة في مصر"، التي لاقت إقبالاً رهيباً حيث نَفَدت البطاقات قبل مدّة، وكالعادة أثارت جدلاً كبيراً من أهل الفن والإعلام بعدما خلع معطفه خلال الحفلة مُبقياً جسده العُلوي عارٍ  ما اعتبره النقاد كسلوك مُشين وغير مسبوق عند المصريين.

في عالم الأعمال التجارية يسعى أصحاب العلامات التجارية إلى التسويق لمُنتجاتهم بالتركيز على ميزاتها التنافُسية الفريدة لابقائها حاضرة دائماً في ذاكرة المُستهلك، ويعمدون إلى التواصل الدائم مع المُستهلك لتحسين مُنتجاتهم، وكذلك يفعل محمّد رمضان في أغانيه المُتكرّرة ويظهر اهتماماً بآراء جمهوره كما فعل في الاستفتاء على الحفل، وليبقى على عنصر الفرادة يحاول دوماً أن يقوم بصدمةٍ اجتماعيةٍ تُبقيه حاضراً في أذهان خصومه وجمهوره في آن.

لم تكن فكرة الغناء والرقص في حفلته من دون ارتداء ما يحجب جسمه العُلوي صدفةً أو نتيجة فَرْط حماسه، انما هي خطوة مُعدِّة مُسبقاً لتصبح حديث الناس Trending في الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

تصرّفات رمضان ليست آنيّة أو وليدة صدفة، إنما نتيجة استراتيجيات وخطط أعمال، وقد سبقه إليها فنانون عالميون وخير مثال "اللايدي غاغا" التي تُصرّ على الظهور بلباسٍ غريبٍ وشكلٍ فريدٍ غير مألوف، وتتحدّث بالمُحرّمات والممنوعات لتخلق جدلاً وبلبلةً حولها، وذلك كله يزيد من شُهرتها ويجعلها علامة تجارية بارزة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]