نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

تألّق حياة عراقية في معرض الدوسري

تقدّم الأعمال التعبيرية، الحديثة الطابع، صوَراً زاهية لطريقة الحياة العراقية.

"حكاية لون" اختزال مُعمَّم لحكاية تراث العراق القديم، والمتواصل، وإرثه الفني، والحضاري، يتنعّم بها غاليري "زمان" مُغتبطاً بالجديد غير المُتكرّر لديه سابقاً، تتجلّى فيه صوَر تراثية، تطعن في عُمق التاريخ العراقي، بداية من سومر، وآثارها في الأهوار، وتعبر في زهاء بغداد هارون الرشيد، وتستمر حتى اليوم في أنحاء العراق، كأن الموروث السومري لا يزال مُتجلّياً في الراهِن بالتقليد الشعبي العراقي.

و"حكاية لون" هو عنوان المعرض الذي يستضيفه غاليري "زمان" في الحمراء في بيروت، للفنان العراقي كريم الدوسري. لوحات مُفعَمة بألوان الفرح، تُجدّد صوَر الحياة العراقية الهانِئة، وتؤكّد إصرار العراقي على النهوض، والمُضيّ في حياته الفَرِحَة، رغم الدمار العدواني الذي واجهه مؤخّراً في توحّش حاملي الحَداثة المُزيّفة.

تقدّم الأعمال التعبيرية، الحديثة الطابع، صوَراً زاهية لطريقة الحياة العراقية، نساء في عباءاتهن، ورجالاً في ثيابهم التقليدية، يعبرون الأسواق، أو يجوبون البراري للصيد، ومحطّاتهم هنيهات فرح وغناء وطرب تتألّق في سعادتها، وترمي خلفها زَيْف الحياة العصرية الوافِدة من الآلة، والتكنولوجيا، ومختلف تطوّرات "الحَداثة"، و"ما بعد الحَداثة"، من تصنّع، وتسطيح.

يقول الدوسري في حديث للميادين الثقافية إن "حكاية لون" هي "التجلّيات التي اعتبرها لغتي المُفضّلة بلوحتي، وهي التي تُناغِم المُتلقّي، فتبعث له الأمل والروح، وعندما يصل اللون إلى إحساس المُتلقّي، اعتبر أنه فَهِم هذه اللغة".

ليست مُصادفة أن تتألّق ألوان الدوسري في مختلف لوحاته، فدائماً، كما يقول، "أجعل من هذه الألوان مصدر فرح، ومن ألواني رسالة حب وسلام، وهي تتراقص فرحاً أمام أعين الجمهور".

الأعمال حديثة تعود إلى العام 2018، إلا اللوحة التي تتصدَّر المعرض عند دخوله، فتعود إلى العام 2017، وفيها يكثّف الدوسري عن قصد أو غير قصد، تاريخ العراق، وتراثه: الفرح، والحب، والآلهة، والصيد، أسماك، طيور، كلها تُعيد المُشاهِد إلى العصر السومَري الذي اختلطت في ثقافته، وأدبه، وشعره مفاهيم الحب، والعبادة، والخصب في آن، وحيث لم يفصل الفنان العراقي، ولا الشاعر، ولا الأديب، بين حاجته اليومية وحاجته العاطفية وتوقه للتعبّد وحاجته لإله.


شيء من الشعر السومَري

وفي اللوحات تحضر المرأة بقوّة جنباً إلى جنب مع الرجل، لكن في روحيّة الزهاء والتألّق وتلقائيّة الحب قبل ولوج عصور القيود التي لم يتح لها في العراق التوغّل إلى مفاصل حياة الناس، فُرادى وجماعات. لذلك ما زالت تنبعث الصوَر السومَرية في العصر العباسي وتعبر إلى العصر الحديث على ما تعكسه لوحات الدوسري من مشاهد تراثية تقليدية عراقية في العصر الراهِن.

في تجوال المعرض، لا يعرف الإنسان إلى أيّ عصر ينتمي، لكن حياة الطبيعة الفَرِحة تتواصل في مختلف مراحل التاريخ العراقي، بحسب أعمال الدوسري، ف"الثيمة الأساسية في لوحتي هي المرأة بكل ما تحمله من حب، وحنان، وتضحية، ودائماً أجعل المرأة في حال انحناء، وهذا يدلّ على حياء المرأة، وخَجَلِها لأن الأنوثه هي من حياء المرأة"، كما يرغب الدوسري التعليق مُضيفاً أ

إن "المرأة تمثّل عندي الحب والسلام، كما أجعل دائماً من الطير عنواناً للحب والسلام"، ذلك أن الطير لم يغب عن أية لوحة من المعرض.

الأعمال امرأة، ورجل، وخصب، وصيد، ومعزوفات، ورقص فيه نزوع نحو الانعتاق المُطلَق، والانطلاق في الحياة نحو المُنتهى من الحرية، بعفويّة طبيعية غير مُتصنّعة، تعبِّر عن الطبيعة الإنسانية، وتوقها إلى تحصيل الحق في كل ما منحته الحياة والطبيعة للإنسان مما هو سعيد، مُفرِح، ودافِع إلى الأجمل، والأرقى، والأسلس.

يتحدّث الدوسري عن البُعد المفهومي لحضارة بلاده في فنّه، فيقول "في بعض أعمالي أجعل من الموروث الشعبي عنواناً. نلاحظ هناك لوحة عن أهوار العراق، والمُتمثّلة بخروج الرجل وزوجته لتحصيل رزقهما اليومي المُتمثّل بصيد السمك والطيور، وهذه طريقة أهل سومَر بصيد قوتهم، ولا تخلو هذه الرحلة من الغناء والطرب، فقد اشتهروا بأصواتهم الجميلة، وغنائهم الجميل، ونسمّيه الغناء الريفي، ومثّلته في اللوحة التي يعزف فيها رجل الناي، وهو في الطريق، وهذا يجعل من نهارهم نهاراً مُفرِحاً وسعيداً، وأنا اخترت الألوان المُفرِحة في أعمالي".

"ويُضيف الدوسري "لقد جعلت من الموروث الشعبي ومن الحضارة العراقية مادة في أعمالي، فلو تطلّعت إلى النساء في السوق الشعبي، تلاحظ العباءة العراقية المُعتادة، المعروفة، وكذلك النساء في السوق، ومن الحضارة السومَرية العراقية استعرت منها ما هو في أهوار العراق، وهي من الآثار السومَرية، وهي مُسطّحات مائية في داخل النهر (دجلة)، وفيها بيوت من القَصَب والطين".

كريم الدوسري من مواليد البصرة 1960، يحمل دبلوم الفنون الجميلة وعضو نقابة الفنانين العراقيين، والمركز العالمي للفنون الجميلة، أقام معرضه الشخصي الأول عام 1997 بعنوان "تحدّي"، وله مُشاركات كثيرة في معارض جماعية في مصر والإمارات العربية المتحدة ولبنان وسلطنة عُمان وقطر والأردن وسواها.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]