نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

"تقنيات إبداعية" لمصطفى عبيد: تعدُّد التقنيات والأساليب

ما لا يُعرَف عن عبيد اندهاشه بالفن الأيقوني المسيحي، واستعاراته الكثير من الصوَر، والمعاني من مفاهيم الفن الأيقوني.

في معرضه السابع عشر الإفرادي، يغوص الفنان مصطفى عبيد في شتّى التقنيات الفنية التشكيلية، مُقدِّماً مجموعة من 34 لوحة فنية، تحت عنوان: "تقنيات إبداعية" في صالة عرض غاليري "آكسود" (Exode) في الأشرفية في بيروت.

أسلوب عبيد مُميَّز بشخصية جمعت الخبرة والدراسة، ومزجت الحديث التجريدي، بالحروفية العربية المطوّرة، مُستخدِماً رمزيات تعبر من اللغة إلى الأيقونة، ومنها يُجسِّد عبيد الواقع، ورؤيته له، مُتّخذاً من عدد من الأحداث، والتطوّرات التاريخية محطات لأعماله.

تتّسم أعمال عبيد بالألوان القاتِمة، فهي، بنظره "تعبير عما في عالمنا المُعاصِر، لبنانياً، وعربياً، وعالمياً من مشاكل وصراعات قاسية ومًتفاقِمة"، كما يقول في لقاء مع الميادين الثقافية، لكن عبيد يعتقد أيضاً أن "على الفنان أن يرى إشعاعاً في الظلام"، ويعلّق أنه "وسط العتمة، هناك فتحة نور تشعّ في اللوحة عَبْرَ نافذة تحوطها ألوان قاتِمة. هناك إشعاع مُنبَعِث من النافذة، فرغم الواقع القاسي الذي نعيش في لبنان، ووطننا العربي، إلا أن هناك نفحة من الأمل بالمستقبل، فلا بدّ من شيء من التفاؤل بالحياة".

يتناول عبيد بدايته، ويُفيد أن "الانطلاقة بمسيرتي الفنية كانت بعد دراسة أكاديمية بالحرف العربي ليس كتخطيط، لكن كمُفردة لكي أُعطي هوية للوحة الفنية".

وما لا يُعرَف عن عبيد اندهاشه بالفن الأيقوني المسيحي، واستعاراته الكثير من الصوَر، والمعاني من مفاهيم الفن الأيقوني.

وبين تجريديته، ورمزيته، وحروفيته، ووَلَهه الأيقوني، مهارة خاصة، باتت تطبع شخصيته الفنية، فالحرف "ن" هو الهالة التي تتّشح بها الأيقونات، والألف والراء أقدام الإنسان، لكن عبيد لا يذهب في التقليد إلا حيث يشاء، لذلك رَسَمَ الحروف، والأشكال بطريقةٍ مُميّزةٍ خاصة، يطغى عليها طابع حاد مُسنّن على ما يُلاحَظ في عددٍ من لوحات المعرض.

يُعلِّق عبيد على هذه الناحية من فنه، ويقول: "أكثر ما لفتني من الحروف العربية حرف "النون"، وعندما تعمَّقت أكثر، لاحظتُ أن النون توازي الهَالة الموجودة فوق رؤوس القدّيسين في الأيقونة المسيحية، وخاصة البيزنطية".

لا يكتفي عبيد من الأيقونة بالهالة التي فيها، بل يستعير العديد من الصوَر والتعابير من الفن الأيقوني، وهذا ما يبرز في لوحة "أيقونة السلام"، فاللوحة تظهر مستوحاة من أيقونة في الوهلة الأولى، حيث تبدو كأنها السيّدة العذراء حامِلة لإبنها السيّد المسيح، وهناك حمامات السلام مُتصاعِدة من المشهد، زدتها بأسلوبٍ جديد.

ويعتقد عبيد أن لوحته هذه "هي دعوة للسلام بطريقةٍ إيحائيةٍ غير مباشرة، ولكن عند الاقتراب منها، تظهر فوراً عناصر اللوحة، وهي امرأة جالِسة عند طرف السرير، تحمل إبنها".

في هذه اللوحة أيضاً، هناك ضوء باللون الأصفر المُشعّ من خلالها، وحمامات السلام فيها تطير فوقها، "تعبيراً عن مُناشدتنا السلام"، كما قال، مُعرِّجاً في تحدّثه عن السلام  على السلام الفلسطيني: "كما السيّد المسيح عمَّم السلام في الجليل في فلسطين".   

وعبيد ولهان بالتقنيات الفنية المختلفة، وربما اعتُبِرَ سيّد التقنيات المعروفة، لا يكتفي بالقليل منها، بل يمارس العديد، ويمزج في ما بينها في لوحةٍ واحدة.

ولم يتوقَّف شغَف عبيد بالتقنيات عند الرائِج، والمعروف، فصاغ لنفسة تقنية مُميّزة يُرجّح أنه سبّاق لها، وهي تقنية السيراميك في الرسم، وهو خلاف ما يُعرَف عن استخدام السيراميك في فنون مختلفة مثل النصوب، والمُجسّمات، والجداريات، والبانويات.

الجديد في فني، يقول عبيد، "هي لوحات بتقنية السيراميك فأنا أعتمد السيراميك كلوحة قائمة بذاتها، وهذه كما أعتقد لا تتوافر عند فنانين آخرين".

يحتوي معرضه على أعمال حَفْر بالأسيد، وثلاثة أعمال باللينو برينت، وهناك لوحات بالحبر الصيني، وتقنيات بالأكواريل المائي الشفّاف، ومجموعة بالأكريليك، والميكسد ميديا.

من موضوعاته لوحة "عطش"، وفيها ألوان قاتِمة، وأشخاص جامدون، لكن هناك نقاط ماء تتقطّر من الأعلى "لتروي الأرض، وتنبت، فيعمّ الخير والازدها في هذه الدنيا"، كما قال، مُظهِراً أسلوباً آخر من الأساليب غير المباشرة التي يعتمدها في نزعته التفاؤلية نحو مستقبل مُشرِق.

عبيد من مواليد 1956 في القلمون (شمال لبنان)، في بيئة بحرية مُطلِّة على الآفاق البعيدة، حيث يقول إنه "كان لهذه البيئة تأثير كبير على إلهامي الفني".

يحمل عبيد درجة الماجستير في تخصّص الفنون الجميلة في الجداريات من الجامعة اللبنانية. ويعمل كأستاذ في قسم الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، ومعهد الفنون (الألبا) في جامعة البلمند. له مُشاركات واسعة محلياً وعالمياً، أبرزها: في القصر الكبير في باريس عام 1992، وفي متحف سرسق في بيروت عام 1994، وفي سالزبوري في بريطانيا عام 2005. كما تُسجَّل له إقامته للعديد من الجداريات بالفسيفساء، والنحت النافِر، تزيِّن الساحات العامة في طرابلس، والميناء، ورأس المتن في لبنان.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]