أفرورا عيسى

صحافية من سوريا

سوريون يسعون لحفظ تراثهم أمام طوفان التكنولوجيا

من الموجودات المنزلية التراثية إلى اللباس وعادات الحياة اليومية، سوريون يسعون للحفاظ على تراثهم إزاء طوفان التكنولوجيا.

التراث السوري

تأكيداً على صلة الإنسان بجذوره الحضارية والثقافية التي كانت وماتزال تمده بالحياة، وللحفاظ على الهوية والإرث الحضاري والثقافي السوري، ظهرت مبادرات جماعية وفردية للحفاظ على التراث الثقافي المادي واللامادي واستدامة وتعزيز حضوره في الوعي المجتمعي.

يتمتع كل مجتمع بتراثه الشعبي من عادات وتقاليد وفنون ومقتنيات مادية بحيث تعتبر علامة مميزة لكل شعب وهويته. غير أن العولمة ونمط الحياة المتسارع صعبا المهمة بشكل كبير على المهتمين بحفظ تراثهم وتوريثه للأجيال القادمة، لكنها لم تستطع منعهم من محاولاتهم الجادة لصونه.

هذا ما يفعله راجي عثمان، الرجل الستيني الذي يحتفظ في منزله بعشرات القطع التراثية التي يعرف أسمائها وطرق استخدامها ويوضح أصلها وتفاصيلها لزواره، فيقول في حديث للميادين الثقافية "نحاول الاحتفاظ بكل ما يرتبط بالتراث السوري القديم من أجل المحافظة على ثقافة الانتماء. لقد بدأت التكنولوجيا الحديثة تطغى وتمحي هذا التراث، ولأجل ذلك نقوم بما نقوم به لنورثه لأبنائنا وللأجيال القادمة".

عثمان شغوف بما يحتفظ به من قطع تراثية: "أنا من الناس الذين يحبون القطع التراثية ومنها ما هو من عهد آبائي وأجدادي. جمعت العديد منها في منزلي وأتفقدها يومياً وأعتني بها. إنها تعني لي الكثير".

أما أم زهير التي قاربت التسعين من عمرها فتستعيد ذكرياتها لتعرفنا على بعض العادات والتقاليد المتوارثة التي اختفت اليوم. تقول "كانت ملابسنا مختلفة عن هذه الأيام. كنا نرتدي المناديل المسلوبة والمصنوعة من دود القز التي تنسجها الأيادي بالإضافة للفستان الطويل".

يعتبر اللباس الشعبي في الساحل السوري مزيجاً من الحضارات المختلفة التي تعاقبت على هذه المنطقة تاريخياً من الفينيقيين إلى الكنعانيين ثم الآراميين والفرس واليونان والأتراك، وعادة ما كان اللباس يصنع من المواد المتوافرة في البيئة المحلية كالقطن والحرير والصوف باستخدام الأنوال اليدوية التي كانت تنتشر في القرى وتسد حاجة أهلها.

هذا عن اللباس أما عن النظام الغذائي، فتضيف أم زهير قائلة "عندما كنا صبايا كنا نساعد في الأعمال الزراعية فنأتي بالبرغل ونقوم بجرشه على آلة قديمة تدعى "الرحية" مصنوعة من الحجر ولها يد خشبية".

هذه الآلة تعتبر من الأدوات التي تستعملها المرأة منذ الصباح الباكر. آلة بدائية مكونة من الحجر الخشن الثقيل، وتُستعمل لجرش الحبوب وطحنها، وهي عبارة عن حجرين مستديرين يُركبُ أحدهما فوق الآخر، ويكون السفليّ منهما ثابتاً، بينما يتحرّك العلويّ حول محور خشبيّ أو معدنيّ تكون قاعدته مثبّتة في أسفل الحجر السفليّ.

يدور حجر الرحى فوق حبات القمح أو الشعير التي توضع من فتحة دائرية صغيرة في وسط الحجر العلوي، فتتكسر تلك الحبات شيئاً فشيئاً. تتذكر أم زهير أنه "لم يكن لدينا ماء ولا كهرباء وكنا نستخدم ضوء القنديل الذي يحمل باليد لينير الطريق ودعوة الشباب والصبايا للحفلات والمناسبات التي تقام ضمن "مرسح" مخصص للرقص والدبكة بوجود الطبل والزمر"، وتضيف "كنا نستخدم القدر والمرغفة للطبخ على النار أو الببور"، الذي تشرح أم زهير عنها قائلة "القدر إناء نحاسي كبير بينما المرغفة  ملعقة كبيرة مصنوعة إما من الخشب أو من الألمنيوم في حين أن الببور أداة نحاسية مكونة من خزان للكاز ويد لضغط الكاز وثلاثة أقدام من النحاس لحمله وكان يستخدم لتسخين الماء والطبخ والتدفئة".

اختار أهل الريف الساحلي السوري في حياتهم التقليدية ألبسة تتلاءم وطبيعة المناخ والطقس إلى جانب العمل الزراعي الذي يتطلب لباساً يساعد الفلاح على العمل في الأرض لساعات طويلة، لكن من دون أن يخلو من الذوق الجمالي الذي يفصح عنه التنوع الكبير في هذه الألبسة وثراء مفرداتها في كل من زي الرجل والمرأة والطفل.

كان اللباس التقليدي للرجل يتكون بشكل أساسي من (القمباز) وهو رداء خارجي طويل يصل إلى الكاحلين مع فتحتين جانبيتين لتسهيل حركة المشي وله أكمام تتسع قليلاً عند النهايتين وتزين رقبته وصدره وأطراف أكمامه بنوع من (البريم) الحريري وكانت أشهر أنواعه المسمى (الأغباني) كروزا وهو عبارة عن قماش أصفر مطرز بالكامل".


درجت العادة أن يرتدي (القمباز الحريري) الرجال الميسورون نظراً لغلاء ثمنه، أما الأقل حالاً مادياً فكانوا في الغالب يرتدون (القمباز) المصنوع من القطن الممزوج بالحرير ذي الخطوط المقلمة الناعمة.

تذكر إحدى أغنيات (اللالا) الشعبية لابس القمباز:

يا بو قنباز الحرير

 ريته من الله مبارك

 مكتوب على جبينك

سورة عم وتبارك.‏

كان الرجل يرتدي أيضاً ما يعرف بــ (الدامر) أو (القطيشة) فوق (القمباز) و(الدامر) عبارة عن عباءة قصيرة مقلمة بخطوط عريضة تصنع من فراء الماعز والصوف البني أو الأبيض أو الأسود ويصل إلى الركبتين كي لا يعيق الحركة لدى المزارع، أما أشهر أنواعه ف(الديرمامية) نسبة إلى دير ماما في مصياف حيث كانت تحاك هناك أجود أنواع (الدامر) وكان من أهل الساحل من يستعيض عن (القطيشة) برداء آخر يسمى الساكو.

أما تحت (القمباز) فكان يلبس عادة قميصاً قطنياً طويلاً، ومعه سروال أبيض يصل إلى الكاحل وغالباً ما يكون فضفاضاً من الأعلى ويقل عرضه من الركبة نزولاً إلى القدم. وكانت هذه الألبسة الداخلية المريحة والمصنوعة من القطن الخام غير المصبوغ تستخدم للنوم أيضاً أو للجلوس داخل المنزل.‏ هذا ما يؤكده أبو سمير وهو من مواليد 1937 للميادين الثقافية قائلاً "كنا نزرع ونفلح في الأرض. يدنا ويد العمل باستمرار، وكان لباسنا قنباز.. جاكيت ولباس بفتة وشملة وعقال"، مضيفاً "كانت الأدوات الزراعية المستخدمة هي النير والصمد وسكك الحديد ويتم عصر الزيتون على "الباطوس" وقشر القمح بــ "المعرجلينة" ودقه بــ "الجرن والمدقاقة الخشبية". أما بالنسبة للقداحة فكانت تدعى البند ولها شريط طويل عبارة عن فتيل "نقوم بشخطها بأيدينا أو على الحجر لتلتقط الشرارة وتشتعل".  

"كان هناك أشياء لم نعد نستطيع تذكرها لكن الأيام التي مرت علينا كانت جميلة رغم فقرها وضيقها". بهذه الكلمات ختم أبو سمير حديثه معنا. فهل يكون بعض التراث السوري القديم هو أحد الناجين ضمن طوفان الحضارة التكنولوجية واتساع اختلاط المجتمعات ببعضها؟ السنوات المقبلة ستخبرنا.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]