ميس الكريدي

شاعرة وكاتبة من سوريا

ابراهيم بركات جديد ... الروائي والإنسان

ابراهيم جديد لم تبدّل سنواته الطويلة جلده ولا ذاكرته، بل ظل يقيناً مؤمناً بالمقاومة وعدالة قضية فلسطين.

السؤال المُستدام عما يربطنا بالكاتب إبراهيم بركات جديد، لكنه وجدان ممتد ومتواصل من لحظة اختباره للحب في روايته "حياة متدرِّج" وصولاً إلى تبلور مفهوم الوطن والفداء في داخله بعد نكسة حزيران/يونيو العام 1967 في روايته "شجاعة امرأة"، وإلى التضحية الناجمة عن القناعة الإنسانية المُجرّدة من المكانة والحظوة والمنفعة الشخصية.

إحساسنا بأن الحياة تظلمنا أحياناً بعتمة الظلمة على وهج الروح وإشعاعاتها، فتطفىء بالقهر الإنسان فينا بين مسارب جريان القطيع الذي يصبغ على نفسه القيَم العليا لروح الجماعة.

إبراهيم جديد الذي يحثّ الطريق نحو مهمته الوطنية في رواية "حياة متدرِّج" ليلتحق بالخدمة الإلزامية مشحوناً ببساطة القرية واغترابه عن سفاسف ما هو حوله، في اغتراب قريته عما حولها، مُحصّن بالفقر المُحْملّق في عينيه ليواجه صدمة الشبع مقابل باب أول مطعم للشواء في المدينة.

سنوات وعقود تفصل بين الكاتب المُتشبّع من بيئته بكل تفاصيلها الجميلة، وبين أقرانه. لكن حين يعبر المرء باب بيته، يدقّ في مخيّلته نبض خافِق كأنه يعبر إلى الحكاية.

الآن، في ردهة الصفاء تجول في الذاكرة مغامرات العشق التي يجعل الإنسان أن يغبط بطلات الرواية اللواتي تسربلهن شهوة الفلاح البسيط عندما يصير موظف ميري في روايته شجاعة امرأة.

والتفرّس في أحزان الكاتب بسبب تجربة السجن العسكري التي كانت أول دروس قسوة الحياة الفظّة في المدينة، حمل الكاتب أوجاعها حتى اليوم وهو يبحر في سنواته بعد الثمانين.

هو معين لا ينضب من طموحه الثوري في سردية تفصيلية لعنفوان بدايات النضال. فيأخذك العنفوان لأن تتقمّص شخصية البطلة التي تبعت حبيبها في قرار الدفاع عن الوطن وتبذل قبله روحها فداء قضية جرّها إليها كعاشقة، لأنها تبعته ومعه وفيه اختارت الوطن. وكان حضنه وطناً أول وسفوح البلاد وهضابها وطناً أكبر.

ليس من السهل الكتابة عن إبراهيم بركات جديد الآن. فما أن تغوص في الأبعاد تجدك توارب نفسك حتى لا تنضح شجنها على سفوح سنوات مظلومة حتى على مستوى رواية. وليس من السهل أن نترجم للناس ما بيننا من شريان ممتد عبر جيلين أو ثلاثة. وما يجذب إلى الكاتب أنك تجد نفسك برفقة الشاب الخارج من قريته لأجل أمر جَلَل وهو خدمة العلم. وهو يظن أن "الجندرما" قد زالوا، لكن هذه اللقطة كفيلة بأن تترجم حتى ظلال الأزمة السورية عبر حديث صريح عن حال الاغتراب واللامبالاة تجاه الأرياف البعيدة.

أستاذ إبراهيم بركات جديد، هو حين تقتني روايته الأولى بعد سنوات وربما عقود، ترغب بالكتابة عن كاتب بين يدي روايته. فأنت تتعلّق بالتفاصيل وتفاصيل التفاصيل التي طوت شذرات الحياة وتجعلك تتعلّق على حبل غسيل في باحة الدار، كأنك تعود معها في دورة الزمن. تستشفّ عطور غسيل الزوجة وهي الأمّ التي يطل الدهر بكل متاعبه من بياض مفرقها ووجها الصافي مع صفاء قلبها. هي تلقي ثياب أطفالها في الزمن القديم على تلك الحبال التي تقيّد بمحبة عائلة سورية أصيلة.

كأنك تستشعر ضغط ملاقطها وهي تثبت الذاكرة بمواجهة نسيم الجبل ورياحه على الجسد.

من الصعب أن يتفهّم كائن لم يتمشَّ على ضفاف حكاية ومن الصعب لمَن فاته أن يتعلّم الحب أن يهيم مع إبراهيم جديد في عشقه البدائي النقي.

الرجل المُتربّع على عبء سنواته حتى أقعدته، بجوار أذرع الذاكرة تتحسّس عبق الزمن وتلتمس الجراح حتى تجدها تتحسّس أنين الروح. قد تكون بينك وبينه خواطر  قبل أن تلقيه لكنك ترتبط ليس فقط بكاتب، وإنما بمكان وزمان وعائلة.

ويسألونك لأجل مَن تستفزّ الحديث عن رجل يحكي هواجسه في نكبة حزيران/ يونيو وقد أتت الأزمة على أقدس القضايا لتذرّرها نهب الهباء. فتستدرك بألا روح لإنسان عندما يتخلّى عن هويته وقضيته. وقد أبدع الكاتب إبراهيم جديد في التقاط الواقعة وأوجاعه الوطنية لأنه تعامل مع صدق روحه وشفافيتها وسرد هواجسها ثم قام بالرد على نفسه. لأن التشكيك بالقضايا ممنوع في عُرفه الوطني وإيمانه، وهذه الفكرة بحد ذاتها قد تكون قضية تحتاج أن نلاقي بها كل الوجوه الآثِمة في الأزمة الحالية في سوريا. وبينما يشكّك الكثير بالثوابت والقضايا، يعزّ النظر إلى الكاتب إبراهيم جديد كأحد أولئك الذين انتموا لأفكار عقائدية تجاه قضاياهم.

فالكاتب إبراهيم جديد لم تبدّل سنواته الطويلة جلده ولا ذاكرته بل ظل يقيناً مؤمناً بالمقاومة وعدالة قضية فلسطين وحقوقنا الكاملة في الأرض المحتلة وهو يحتفي شرفاً بعضوية اتحاد الكتّاب العرب في سوريا.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]