خلف جابر

كاتب وصحافي من مصر

على طريقة «Perfume».. لماذا فُتِن المصريون بـ«مو صلاح» و«نمبر وان»

لماذا يبحث البشر عن أبطال؟

  • على طريقة «Perfume».. لماذا فُتِن المصريون بـ«مو صلاح» و«نمبر وان»
  • على طريقة «Perfume».. لماذا فُتِن المصريون بـ«مو صلاح» و«نمبر وان»

في نهاية الفيلم الألماني «العطر: قصة قاتل» وقف بطل الفيلم جان باتيست جرونوي، ليفرغ قارورة عطره السحري فوق جسده، فتحوَّل إلى ملاك في عيون الموجودين في المكان نفسه، فانجذبوا إليه لدرجة نَهْشهم جسده. هكذا لم يبق منه غير ملابسه وقارورة عطره الفارِغة، التي سقطت منها آخر قطرة. في مصر، هناك أيضاً مَن أفرغوا عطر الشُهرة على أرواحهم، فأصبح الكثيرون مفتونين بهم، إلى الحد الذي جعل تلك المحبة، مصدراً خطراً على حياتهم، أو إلى الدرجة التي أضرّت بمصالح الآخرين.

من بين هؤلاء اللاعب الدولي محمّد صلاح، لاعب المنتخب المصري ونجم نادي ليفربول الإنكليزي، والذي أضحى نجماً عالمياً حتى تم اختياره ضمن الـ100 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم بقائمة «التايم» الأميركية للعام 2019.

ففي يوم الخميس الموافق 28 حزيران/يونيو 2018، تجمَّع المئات من المُعجبين بصلاح حول منزله بمنطقة التجمّع الأول. الأمر الذي جعل قوات الأمن تتدخّل لفضّ التجمُهر، حتى أنها نجحت في إخراج محمّد صلاح وأسرته من المنزل بعد نحو 4 ساعات من تجمّع المواطنين.

بدأ الأمر مع خروج صلاح من أحد مساجد منطقة التجمّع بعد أدائه صلاة الفجر، فتتبّعه أحد مُعجبيه حتى عرف عنوان سكنه، ومن ثم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، ليذهب إليه العشرات مُعبّرين عن حبهم له، وبدوره خرج لهم «مو» ليلتقط معهم الصوَر التذكارية، ولكن بعد ساعات تزايد العدد إلى المئات، حتى أصبحت هناك خطورة على حياة صلاح.

يتماس مع صلاح في وَلَع المصريين به، شخص آخر، وصل الأمر إلى حد تقليد طريقته في الكلام، وقصّات شعره الغريبة، بل واستعارة عباراته في الحديث اليومي بين أكثر طبقات الشعب المصري فقراً، وطباعتها وتعليقها على وسائل المواصلات المختلفة مثل «الميكروباصات» و«التوك توك» وهو وسيلة المواصلات الأشهر في الأحياء الشعبية. هذا الشخص هو المُمثّل الشاب محمّد رمضان.

تعرّض رمضان أيضاً إلى موقف شبيه لما تعرّض له محمّد صلاح وكان ذلك في مُنتصف شهر تشرين الأول/أكتوبر 2018، عندما تجمَّع حوله عدد كبير من مُحبيه، وتحديداً في شارع جامعة الدول العربية بمنطقة المهندسين؛ أحد الأحياء الراقية بمحافظة الجيزة. تعطّلت حركة المرور لساعات، إلا أن «رمضان» بثقافته البسيطة وادّعائه الدائم أنه «نمبر وان» رأى في ذلك حُسن طالع، وراح يستعرض ذلك الموقف في مقاطع فيديو مُصوَّرة، يبّثها عبر صفحاته بمواقع التواصل الاجتماعي. هذه الحادثة دفعت المحامي محمّد الجندي إلى تحرير محضر حمل رقم (11840 لسنة 2018)، في النيابة العامة، ضد الفنان محمّد رمضان، اتهمه فيه بتعطيل حركة المرور.

إضافة إلى صلاح ورمضان، هناك شخص آخر حاول المصريون التفاخُر به، ذلك بعد إلصاق الجنسية المصرية به، وهو الفنان رامي مالك. الطريف أن المصريين لم ينشغلوا بمصريّته، إلا بعد فوزه بجائزة أوسكار أحسن ممثل عن فيلمه "Bohemian Rhapsody"، مُتناسين نشأته في الولايات المتحدة وأيضاً قصة فيلمه الفائز؛ التي تتعارض كلية مع قِيَم ومُعتقدات المجتمع المصري، فهل حقاً يقبلون التباهي بشخصية العمل "المثلية جنسياً"؟

في حديثها إلى الميادين الثقافية أشارت أستاذة علم النفس الدكتورة صافيناز عبد السلام، إلى أن افتتان الشباب ولا سيما المراهقون بالنجوم ليس جديداً، لكن كان الأمر قاصراً على نجوم الفن، مثل المطربين والممثلين، ولكن الآن أصبح للاعبي الكرة نصيب من ذلك الافتتان.

وتؤكّد عبد السلام إن "المراهقين دائماً ما يُصيبهم الشَغَف تجاه شخص يكبرهم سنّاً، وحقَّق إنجازاً ما، وغالباً ما يكون ذلك الشَغَف تجاه أحد أفراد الأسرة، وإن لم يجده في الأسرة خرج ليبحث عنه في المشاهير، ولا سيما الفنانين ولاعبي الكرة".

وتفسِّر أستاذة علم النفس ذلك قائلة "في تلك المرحلة يبحث المراهق عن قائد، وهي المرحلة التي ينتقل فيها من مرحلة الطفولة إلى الشباب، والتي يعمل فيها على تكوين شخصيته"، مشيرة إلى أنه قديماً كانت تلك الحال مقتصرة على الفنانين من الممثلين والمُغنيين، وبعض رجال السياسة أصحاب النزعة الثورية، ولكن الآن أصبح للاعبي الكرة نصيب في تلك الحال. مُعدّة ذلك مكوّناً طبيعياً طبقاً لعلم نفس النمو.

الافتتان بالنجوم جديد على المجتمع المصري إذن. ربما كان للضغط السياسي دور، فهم بذلك يبحثون عن المُخلّص، أو آخر ينتشلهم من الإحساس بالضياع. ذلك المُخلّص ليس مَن يخرج بسيفه ليستردّ حقوقهم، ولكن أيضاً مَن يختبئون خلفه هرباً من الإحساس بالفشل.
جانب آخر تتعرّض له أستاذة علم النفس صافيناز عبد السلام، وهو الإحباطات الشديدة التي يتعرَّض لها المجتمع، سواء كانت اقتصادية أم دولية، مضيفة "وإن كنا نغضّ الطرف عما يحدث داخلياً، فهناك أيضاً ما يجري في السودان وسوريا، وأيضا الحال الاقتصادية للبلاد، والتي يجب أخذها في الاعتبار"، مشيرة إلى ارتفاع نسبة الفقر التي طالت شريحة مثقفة، لذلك كان بديهياً أن تلجأ تلك الشريحة إلى حِيَلٍ دفاعية تمكّنها من الاستمرار في الحياة، "أياً كان شكل تلك الحِيَل، ومنها البحث عن شخص يمنحني تصوّراً أفضل للحياة، أسعى أن أكون عليه، مثل لاعب كرة مشهور".

وتختتم عبد السلام موضحة ضرورة النظر إلى شعوب ما بعد الثورات، فهم دائماً ما يمرون بمرحلة اقتصادية صعبة، فما كانوا يمقتونه قبل ثوراتهم؛ أصبحوا ينظرون إليه كونه شكلاً من أشكال الرفاهية، "لذلك نجد أن الكثيرين لا يقدرون على التعايُش مع الواقع، ومن ثم يهربون في نجاحات الآخرين".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً