عبد الرحيم نور الدين

كاتب ومترجم مغربي

بتلر وهشاشة الــ "من دون وجه" ... نكافح لنُرى

إذا كانت هشاشة ظروف العيش هي نصيب معظم البشر، فإنها مُضاعفة بالنسبة للأقليات. أقليات "من دون وجه" حُكم عليها بالكفاح من أجل أن تصبح مرئية.

جوديت بتلر
جوديت بتلر

هل نحن متساوون في القابلية للانجراح؟ تتساءل الفيلسوفة الأميركية جوديت بتلر (Judith Butler). إذا كانت هشاشة ظروف العيش هي نصيب  البشرية المعرَّضة للكوارث، وللحروب، إلخ، فإنها مُضاعفة بالنسبة للأقليات الإثنية، والجنسية والدينية. أقليات "من دون وجه" حُكم عليها بالكفاح من أجل أن تصبح مرئية.

 


 ايمانويل ليفيناس
ايمانويل ليفيناس

متى وكيف اكتشفتِ منجز ايمانويل ليفيناس (Emmanuel Levinas)؟

 

يعود الفضل في ذلك إلى طلبتي. كنت أعرف ليفيناس، طبعاً، لكنهم شدّدوا على أهميته لفَهْم الإثيقا، وبطريقة جديدة جذرياً. كنت أخشى أن يكون تفكيره دينياً بقدر مبالغ فيه، لكني اكتشفت أن مظاهر منجزه الدينية كانت في الحقيقة جذّابة جداً.

على عكس البعض من طلابي، اعتبر من جانب آخر أن الإثيقا والدين غير منفصلين في فكره. كانت الفكرة الأهم بالنسبة لي، هي أن الاقتضاء الإثيقي، الاقتضاء الذي يحملني الآخر إياه، هو شكل من "الاضطهاد" الذي يفهم بمعنى أنني لم أختر تلقي هذا الاقتضاء.

أياً كنتُ، تلقيت هذا الاقتضاء في مستوى يسبق الأنا ويؤسّسه، ويسبق كل مفهوم للذات محدّداً جيداً. يوحي هذا التأكيد بأن الإثيقا أولى بالعلاقة مع أيّ عقد أختارُ توقيعه (وبالتالي أُولى بالعلاقة مع التقليد التعاقدي للفلسفة السياسية الليبرالية – فلسفة لوك، وهوبز، وروسو).

إنها تفترض ثانياً أن المسؤولية تمتلك بُعداً عاطفياً يطبعنا، حتى قبل تطوّر هوية شخصية أو أنا. أدركت مباشرة إلى أي حد كان هذا الفَهْم للإثيقا مُتفرّداً للغاية: لم يكن يبتعد فقط عن التفسيرات بقاموس الإرادة، التي هيمنت على الفلسفة الأخلاقية، بل كان يعطي دلالة إثيقية للأمر الإنجيلي، وخاصة لــــ "لا تقتل".


هل بإمكانك أن تقدّمي لنا مفهوم "هشاشة ظروف العيش"؟

 

لست متأكّدة من أن هشاشة ظروف العيش (precariousness) تشكّل مفهوماً. ربما هي بالأحرى شرط وجود، ليس شرط وجود فردي (الذي قد يكون مرادفاً للتناهي)، وإنما للوجود الاجتماعي والبيئي؟

استمرار الحياة لا تضمنه أية خاصية للحياة. بالفعل، يمكن أن تُجرح الحياة أو تُدمر بكيفية غير متوقعة بدمار طبيعي متعدّد، أو بكوارث تاريخية، وبالمرض أو العنف.

لا وجود لحياة غير معرّضة لهشاشة ظروف العيش. جميع أشكال الحياة هي رهينة الظروف غير المتحكَّم فيها، التي تجعل استمرارها ممكناً. وقد تُعلق هذه الظروف أو تُدمر، ويمكن بالتالي أن تختفي الحياة. بهذا المعنى تعتبر حيواتنا غير مستقرّة.


لكنك غالباً ما تميّزين بين شكلين من هشاشة ظروف العيش؟

 

بالفعل، من البديهي أن ساكنات معينة هي عرضة لأشكال محدّدة من هشاشة ظروف العيش (precarity)، بفعل سياسات اجتماعية، والتعريض للعنف، والحروب، إلخ.

هذه الساكنات قابلة للانجراح أكثر، ومُحتمَلة التدمير أكثر بسبب أشكال تعريض للموت متعينة اجتماعياً. ذلك حال الأقليات الإثنية، وحال الأشخاص المسجونين، والذين يعيشون في منطقة حرب، وضحايا العنف الجنسي والجندري، والذين يواجهون غلق الحدود أو المجاعة.

في معنى أول، تشير هشاشة ظروف العيش (precariousness) إلى التعريض الكوني للموت، القائمة على ظروف بنيوية ضرورية للحياة، قد تكون غائبة أو مُدمَّرة، بينما الهشاشة بالمعنى الثاني (precarity) تميّز التعريض للموت اللامتساوي والجائر الذي تعاني منه ساكنات خاضعة.


هل تقولين إن التمييز بين الوجوه يتمّ بسبب وضعها الاجتماعي - السياسي؟

 

ليفيناس واضح جداً حول ضرورة عدم فَهْم الوجه بكيفية حرفية. ومع ذلك، بكيفية أو بأخرى، يجب أن يظهر وجه الغير، يجب أن يؤثّر فينا في التجربة الحسيّة.

يجب أن نرى، ونسمع أو نحسّ بالآخرين لنكون شاعرين بالنداء الإثيقي الذي يوجّهه لنا الغير. لكن، إذا لم تكن بعض الحيوات تدخل ضمن دائرة الظهور، أي ضمن الدائرة العمومية، وإذا كانت مُستثناة منها، هل يمكننا القول إن هذه الحيوات تؤثّر فينا؟ هل بوسعنا رؤيتها، والاعتراف بها؟


هل تقولين إن هذه المساءلة تميل إلى توسيع المفهوم الليفيناسي للوجه، ماسِحة بذلك التمييز بين الإثيقا والسياسة؟

 

أحاول إيضاح أن ظهور الوجه رهين بعض الشروط المتعينة اجتماعياً للرؤية والتي ليست متوافرة بكاملها لجميع الناس. بهذا المعنى، حتى ولو كنت متّفقة مع ليفيناس في القول بأن الوجه يقتضي جواباً إثيقياً، وبأنه إسم علاقة إثيقية مع الآخرية أكثر أساسية من كل نظرية أخلاقية متمركزة حول الأنا، أريد أيضاً التشديد على أن بعض الوجوه تظهر بوضوحٍ أكثر من وجوهٍ أخرى.

ومن مسؤوليتنا إذاً تحليل وتحويل دائرة الرؤية التي يستند إليها ما هو سياسي. في هذا، أنا متّفقة مع جاك رانسيير (Jacques Rancière) ، عندما يشدّد على حدود نظرية حنّه أرندت (Hannah Arendt).

بالنسبة لهذه الأخيرة، يقوم أمر القدرة على الظهور في الدائرة العمومية، الذي هو شرط المشاركة في الحياة السياسية، على أخذ الكلمة. لكن رانسيير يشدّد على أن الأمر ليس بهذه السهولة، وعلى أن الكلام، هو في الواقع محجوز لنخبة معينة.


وهكذا ابتكرت مفهوم "من دون - وجه " ( sans-visage). هل بمقدورك شرحه لنا؟

 

إن أمر عدم الوجود في الفضاء العام مُكون لبعض الحيوات التي ليست مهمّشة فحسب، بل وممسوحة من الحياة العمومية. هؤلاء الأفراد هم مَن أسمّيهم "من دون - وجه".

ورغم كونهم غير مرئيين، فإنهم مع ذلك يبذلون قُصارى جهدهم لكي تطفو في دائرة الظهور؛ إنهم يسعون إلى امتلاك وجه أو إلى أن يكونوا وجهاً، من أجل أن يشعر الآخرون باقتضاء إثيقي إزاءهم. تنخرط حركات اجتماعية عديدة في هذا الصراع الذي تشكّل الدائرة العمومية رهانه.


علّقت على حوار أجري سنة 1982 [يتعلّق الأمر بدفاع ليفيناس عن (إسرائيل) خلال مذبحة صبرا وشاتيلا (المترجم)] مع ليفيناس قائلة: "تحريم القتل المجسّد في الوجه بل والمأمور به، يتوقّف أو يُعلق عندما، تبعاً لليفيناس، يصبح القتل ضرورياً كدفاعٍ عن النفس أو كدفاعٍ عن الأقارب.". ما هي الحالات التي يطبّق فيها هذا التعليق؟ متى وكيف يصبح الآخر عدواً؟

 

إنها مسألة معقّدة، كما كانت موضوع تأويلات عديدة. إذا اعتبرنا أننا مضطرون إلى الدفاع عن حيوات مَن هم قريبون منا، مَن هم مرتبطون بنا، من يشكّلون طائفتنا أو عائلتنا، فإننا نؤكّد أن هؤلاء الأقارب، في نظرنا، يمتلكون وجهاً أكثر مما يمتلكه الآخرون.

ويعني ذلك أن التزاماتنا الإثيقية تجاه الآخرين ليست متساوية. إن مَن يريد قتلنا هو بالتأكيد عدونا. لكن ألست أيضاً ملزمة بهذه الإمكانات القاتلة؟ إذا ما قمت بالدفاع عن نفسي حينما يسعى فرد ما إلى قتلي، أنا أو أحد أقاربي، لذلك يبدو أن تحريم القتل معلق.

هذا الوضع بين هلالين لـــ "لا تقتل" إشكالي. ربما أن مناصر اللاعنف الذي يتخلّى عن الدفاع عن نفسه، في مواجهة مَن يريد قتله حتى، هو ليفيناسي أكثر من ليفيناس ذاته.

 

المصدر: مجلة فيلوزوفي ماغازين (Philosophie Magazine)، عدد خاص بالفيلسوف ليفيناس. شتاء 2018.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]