عبد الله بن عمارة

كاتب من الجزائر

من لبنان إلى الجزائر ... "الحمد لله اللي تْحررني"

لا يختلف مشهد تلك المرأة اللبنانية وهي تصرخ "الحمد لله اللّي تْحَرَّرْنِي"، عما روته لي والدتي عن تموز 1962 في الجزائر.

كانت سنة 2000 مميزة لي على المستوى الشخصي. فهي سنة تخرجي من الجامعة، وهي أيضاً سنة مليئة بالأحداث في بلادي. فقد كنا فعليا في المراحل الأخيرة للعَشْرِية السوداء، بكل ما تعنيه لنا من دماءٍ ودموع، ولكن أيضاً من مقاومةٍ، وإرادة الإصرار على البقاء، حتى وإن ظهرت ملامح الانتصار على الجماعات المسلحة (تساقط أمرائها الواحد تلو الآخر وتراجعها من مناطقٍ كانت واقعة تحت نفوذها، ومسارعة آخرين لإلقاء السلاح)، وبدأ منطق المصالحة الوطنية وتحقيق السلام يلوح في الأفق، كبصيص أمل تعلّقنا به من أجل انتهاء كابوس الرعب الذي خيّم علينا لعَقدٍ كامل.

إلا أن أصداء التفجيرات والاغتيالات وفظائع المجازر التي تشيب لها الولدان، وحكايات الخطف والذبح، كانت لا تزال أصداؤها تتردد ولا يزال الناس يعانون من كل التداعيات الاجتماعية الوخيمة التي تنتج عن الحروب الأهلية.     

لم يكن يُذكر اسم الجزائر في العالم وعند العرب في التسعينيات، إلا مقروناً بأخبار الدم والاغتيالات والتفجيرات، وفي أحسن الأحوال بأغاني الشاب خالد التي اخترقت إيقاعاتها الأسماع في تلك الفترة، بعد أن ارتبط اسمها عند الأجيال العربية من الخمسينيات إلى الثمانينيات، باعتبارها دولة وطنية مستقلة وداعمة للمقاومة وقِبلة للثوار، وُلدت من رحم ثورة تحررية عنيفة حررت الأرض والإنسان.

عرفت، ككل أبناء جيلي، الصراع مع "إسرائيل"، وأنا طفل في السنة الثامنة من عمري، من خلال الانتفاضة الفلسطينية، وتفاعلت مع "وسائل التثقيف" التي كانت تديرها الدولة لصالح مشروع مقاومة الاحتلال.

تربينا على أن الجزائر لا يمكن لها إلا أن تكون وفية لمن يقاوم الاحتلال في فلسطين ولبنان، وعلى مقولة "الجزائر مع فلسطين ظالمة أم مظلومة" التي أطلقها الرئيس هواري بومدين في السبعينيات، ولا تزال طريقة تغطية التلفزيون الرسمي والصحف الوطنية وكل وسائل التوجيه الثقافي والسياسي، لعمليات المقاومة في لبنان، ولمشاهد مواجهة أطفال الحجارة لجنود الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، وللحرب الإيرانية-العراقية التي كانت الجزائر أقرب فيها للجانب الإيراني، عالقة في ذهني، وجعلتني كالكثيرين من أترابي، يتعلقون وجدانياً بكل مقاومةٍ للاحتلال الإسرائيلي في المشرق، ويربطونها بثورتهم الكبرى التي ترعرعوا على تقديسها.

ففي سنة 1996مثلاً، وفي عز العشرية السوداء، لم تصرفنا الأحداث عندنا، عن متابعة عدوان "عناقيد الغضب" على لبنان ومشاهد عمليات المقاومة البطولية، كما لم تمنعنا أحداث سنة 1997 (شهدت هذه السنة بالذات أعنف وأشرس المجازر التي راح ضحيتها المئات، وشكلت مفصلاً في مسار الحرب الطاحنة الدائرة منذ 92) من التفاعل مع عملية "كمين أنصارية"مثلاً، ومع عمليات أخرى في السنتين اللتين سبقتا التحرير.

في 25 أيار/مايو من سنة 2000، جاءت البشرى، ووقفت أمام الشاشات أشاهد ما كنت أعتقد أنه قادم لا محال. فقد تربيت على أن المقاومة لا يمكن أن تُتوّج سوى بالنصر، بدأت أرى في وجوه أبناء القرى الجنوبية الذين ساروا بحماس يجوبون القرى المُحَرَّرة، يقتحمون السجون، ويصعدون فوق مدرعات العدو التي غنمها المقاومون.

نفس ملامح الفرح والعزة والشموخ التي كبرنا ونحن نراها في الوثائقيات التي يعرضها تلفزيوننا، على الأقل مرتين من كل سنة؛ ذكرى قيام الثورة الجزائرية في 1 تشرين الثاني/نوفمبر وذكرى الاستقلال في 5 تموز/يوليو، للجزائريين الذين احتشدوا لاستقبال جنود جيش التحرير الذين عادوا منتصرين من الجبال والأرياف التي صنعوا فيها ملاحم النصر لأكثر من 7 سنوات من الحرب.

هم يشبهوننا في سحنتهم، في عفويتهم، في ريفيتهم، في شموخهم، في بساطتهم، في عزهم، قاوموا وصمدوا... فانتصروا. أكدّوا لنا أن ما تلقيناه في مدارسنا، كان صحيحاً، ولم يكن دعاية كاذبة، وما تربينا عليه وسمعناه من أفواه أبائنا وأمهاتنا لم يكن مبالغة ولا خرافة. ها هي تتحقق مرة أخرى وبشكل رائع، وبسيط أيضاً، معادلة المقاومة في بلادنا، في مشرقها كما في مغربها: قاوم وبإرادتك سوف تُحرر أرضك وتُحصِّل كرامتك. هل اختلف مشهد تلك المرأة اللبنانية، في أيار 2000، وهي تصرخ بعفوية وبساطة أهل الأرياف، بلهجتها الجنوبية التي تزيدها الإمالة روعة وجمالاً ؛"الحمد لله اللّي تْحَرَّرْنِي"، عما روته لي الراحلة والدتي، عن خروجهن في ذات تموز من سنة 1962 يجبن الشوارع، يرقصن ويحمدن الله على نعمة النصر والكرامة؟

هل تختلف صرختها و"حمدها لله" عما صدح به المغني الشعبي الجزائري الراحل محمد العنقى؛"الحمد لله ما بْقَاشْ استعمار في بْلاَدنا، تكسَّر سيف الظلم في الحروب هلكوه الشجعان"؟

يقيناً لا اختلاف ولا فرق، هي نفس الإرادة، ونفس الشموخ الذي يجعل لآمالنا بحياة كريمة وعزيزة، معنى.

وكما أن صرخة تلك المرأة ستظل محفورة في ذاكرتي ما حييت، لا يزال المشهد الذليل لذلك العميل اللبناني الذي يصرخ شاكياً لقائده معاملة الجيش الإسرائيلي المُذِلّة لجنود "جيش لبنان الجنوبي"راسخاً في مُخيِّلتي. "كُنّا مِتْوَقْعين نِنْكِحت (نُطرد) بس ننكحت بشرف".

ومرة أخرى لا فرق أيضاً بين العملاء ومصيرهم في بلادنا، لقد تبع "الحَرْكَى" أسيادهم من جنود الاحتلال والمستوطنين، إلى الموانئ لكنهم لم يجدوا منهم سوى الإذلال والعنصرية تماما كما وجده أمثالهم أمام بوابات الحدود في جنوب لبنان، لتُخصص لهم جيتوهات بائسة في بعض المدن الفرنسية، هي إذن نفس الرواية في بلادنا وإن اختلف أبطالها أو اللغة التي تُعبر عنها، رواية نصر لم يكن متاحاً لكنه صار واقعاً نعيشه بفعل إرادة مقاومةٍ صلبةٍ وفعّالة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]