أيمن حسين

مدرس وباحث سوري حائز على دكتوراه في العلوم التربوية من فرنسا

المدرسة والثقافة الرقمية

إذا كانت ظاهرة الثقافة الرقمية لها أسبابها فإن ترسيخها يتطلّب عملاً تربوياً يبدأ بالمدرسة.

يشكّل التلاقُح بين الاستخدامات الإنسانية للتكنولوجيا والمنظومات القِيَمية والسلوكية السائدة في أيّ مجتمع عملية ديناميكية وجدلية، ولا أدلّ على ذلك من الكمّ الهائل من أنماط السلوك الهجينة وغير المؤكّدة التي خلّفها هذا التلاقُح لدى الأجيال الشابة في الشرق والغرب على حدٍ سواء.

لكن الواضح أيضاً أن التحدّي الحقيقي ما زال يكمُن في قدرة المجتمعات على تأطير آثار هذا التلاقُح سواء كانت تاريخية أو أخلاقية أو بيئية أو قانونية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية عبر المؤسّسات الثقافية-  المدرسة كونها الهيكل التأسيسي للتعليم والتعلّم والتثقيف، يتوجّب عليها توفير المحتوى والأدوات التكنولوجية المُعاصِرة التي تسمح للمُتعلّمين بتطوير وتجديد معارفهم ومهاراتهم في الاستخدامات الجيّدة والأخلاقية للتكنولوجيا، لتكون أكثر اتّساقاً مع الهوية والانتماء الثقافي.

وفي سياق العلاقة بين المدرسة وبين الثقافة الرقمية هناك مجموعة من التساؤلات يمكن طرحها. ما المقصود بالثقافة الرقمية؟ وكيف يتمّ التعبير عنها؟ بينما نحن نراقب التقدّم السريع للثورة الرقمية، ما موقع المدرسة في تكوين هذه الثقافة؟ هل يجب أن يكون لها دور حاسم؟ أم أن ما نتعلّمه من استخدامات خارج جدران المدرسة يبقى أكثر فائدة وأهمية؟

يرى الباحِث في التحوّلات الرقمية وتأثيراتها الإنسانية ميلاد الدويهي، أن مُصطلح الثقافة الرقمية )مُستجَد ومرن( ومن الصعب ضبط حدوده، لكن يمكن تبسيطه على أنه مجموعة المعارف والممارسات المُرتبطة باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الحياة اليومية.

على سبيل المثال طريقتنا في استخدام الأدوات والوسائط الرقمية )مواقع الويب، البريد الإلكتروني، "الدردشة" ، الصوَر الرقمية، الرسائل القصيرة SMS و MMS)، طريقتنا في البحث عن المعلومات وإنتاجها ونشرها ومشاركتها على شبكة الأنترنت وما إلى ذلك.

إذاً هذه الثقافة تتكوّن لدى كل فرد من منطق علاقته بالتكنولوجيا ولكن الأماكن التي يمكن أن تتجسّد فيها متعدّدة. بالإضافة إلى الفضاءات الرقمية حيث يتحدّث الناس مع بعضهم البعض ويتبادلون المعلومات ويتشاركون الخبرات، هناك البيت والشارع والمقاهي وأماكن التدريب والعمل، حيث يستخدمون التكنولوجيات لأغراضٍ خاصة مهنية أو ترفيهية.

تؤثّر وتيرة التغيير التكنولوجي على المجتمعات بشكلٍ كبيرٍ أو أقل حسب توجّهاتها في المجالين العام والخاص. الوتيرة والدور المُهيمن بشكل مُتزايد لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في جميع قطاعات المجتمع فرض على الحكومات تطوير الأجندة والمشاريع والآليات التي تسمح بدمج التغييرات التي أحدثتها هذه الابتكارات التكنولوجية، ودمجها في مجالات الحياة المختلفة. لكن لا تزال هناك فوارِق جنسانية وعملية بين أفراد المجتمع الواحد في عملية استخدام واستيعاب هذه التكنولوجيات. فضلأ عن ذلك يمكن أن نلاحظ أن فُرَص التدريب المُقدّمة في هذا المجال ليست مُنصِفة وشاملة للجميع.

من هذا المنظور يبدو من الضروري والمُلحّ إضفاء البُعد الرقمي على المناهج التربوية. أي منذ المراحل الأولى للتعليم الأساسي وبالشكل الذي يسمح تدريجاً للطفل) الكائن الثقافي( من اكتساب أفضل الاستخدامات في تكنولوجيا الكمبيوتر والأنترنت ، وعلى قدر الأهمية تعديل وتصويب استخداماته واستعمالاته المُكتسبة خارج المدرسة وفق معايير علمية وأخلاقية.

في الواقع تشير الدراسات والأبحاث إلى أن التربية الرقمية يمكن أن تساعد الأطفال على اكتساب أفضل الممارسات في مجال التكنولوجيا، وبالإضافة إلى ذلك يمكنها أن تساهم في تقلّص الاستخدامات غير المسؤولة وغير الواعية للتكنولوجيا لديهم، أي أن لها الدور المهم في تكوّن أُسُس الثقافة الرقمية.

نحن نعتقد أن المدرسة اليوم حتى يصبح لها دور أكثر فاعلية في تشكيل الثقافة الرقمية، يجب عليها التدخّل مُبكراً والبنّاء على قاعدتين أساسيتين: أولاً، الأدوات الرقمية لا يمكن أن تحلّ محل الإنسان ولكن يمكنها أن تحمل تأثيراً في أنماط تفكيره وسلوكه. ثانياً، لا يجب فصل عملية التربية الرقمية عن مشكلة التثقيف الدائم للإنسان ، بمعنى أنه يجب أن تكون هذه التربية الرقمية مستمرّة ومواكبة التقدّم التكنولوجي، بما يتضمّن من معارف وممارسات وتحديات ثقافية.

في المُحصّلة، إذا كانت ظاهرة الثقافة الرقمية لها أسبابها الاجتماعية والعلمية والتقنية، فإن ترسيخها بين أبناء أيّ مجتمع يتطلّب بالمقام الأول عملاً تربوياً يبدأ بالمدرسة، وعليه فإننا نقترح جملةً من الخطوات والآليات لتعزيز هذه الثقافة ويمكن تلخيصها في الآتي:

أولاً: تدريس "الثورة" الرقمية على أنها ثورة إنسانية وثقافية بالإضافة إلى كونها تطوراً تقنياً، وتقديم هذه "الثورة" وتحوّلاتها من منظور تاريخي فلسفي ونقدي وبشكلٍ يسمح لأطفالنا باستيعاب دورها وكيف يمكن أن تؤثّر في مستقبل المجتمع وأزماته السياسية والاقتصادية. على سبيل المثال، نستطيع فتح حوارات نشطة حول تأثير وصول وسائل التواصل الاجتماعي على الممارسات الديمقراطية أو تضخيم الأزمات السياسية أو الاقتصادية.

ثانياً: تقليص المساحة الفاصلة بين المعرفة النظرية عن التكنولوجيا والاستخدامات الاجتماعية والمهنية الصحية لها، من خلال تقديم مناهج تربوية تركّز على الاستخدام والتجريب وإعادة الاستخدام. هذا يتطلّب أيضاً تطوير كفاءة المدرّسين بالتدريب المتواصل وتزويد المدارس بالمنصّات الرقمية والتجهيزات حتى نصل إلى الوضع المثالي كمبيوتر لكل طفل.

ثالثاً: ربط الممارسات والاستخدامات المُتعدّدة للتكنولوجية بتنمية الروح النقدية وتعزيز الأخلاقيات والهوية الثقافية. فإذا كانت التكنولوجيا تسمح بدخول سهل ومرن للمعلومات، يجب على التربية الرقمية أن تقدّم الأدوات التي تساعد في تمييز المعارف السطحية عديمة الفائدة عن المعرفة البنّاءة التي لها بُعد مألوف، جماعي وتشارُكي.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]