عيسى الدبا

كاتب وشاعر من المغرب

أساور لحصى مقبرة

أموت .. ولا ذكرى تموت، وهذا التراب تراب.

وأموتُ ...
لا خبراً يعلو الجرائد
لا شارات يعلقها الشعراء
لا ورود تنثرها العاشقاتُ على القصيدةْ
أثر كان يمشي
والليل يعد الأنفاسْ
لا صبحاً يطل من جديدْ
بكاء رباب الصباحي يختفي
لا دمعاً يحضن وجهي على الوسادةْ
لا ظلاً حفظه الترابُ
لا خطواً يبقيهْ
تفتقدني المنابرُ
لا سطراً ألقيهْ
ربابُ تصعد الدرج
خطوات قدميها قلبي
يداها والدمع دفء الخدينْ
لا وسادة تلقاها
ألعابها عيناي .. والدمع بخدي
تمسحه كي أفيقْ.

***
وأموتُ ..
تشتاقني الأقلامُ .. محبرة المكتبِ
فنجان قهوتي الباردُ
رسائل أصدقائي على الجوالْ
منفضة السجائر
يشتاقني الرمادْ
لا يداً تفتح البابْ
لا إصبعاً ينير الغرفة
لا إصبعاً يمسح الغبار
ماتت كل الاغاني
فيروز .. وأنا
روحان كنا .. يجمعنا الصدى
بلا عذر أموت
والليل بلا ثلج يلقيهْ
برد آذار يذكرني
تذكرني المقبرةْ
لا جسداً يخشى الترابْ
عيناي والرَّبابُ تذكرني
منديلها الأزرقُ
أساور النحاس
خاتم العاج
فرشاة الصباغة
لا حنيناً تتركه الروحْ
أغيب في التراب والذكريات هناكْ
تحفظ الطريقْ.

***
وأموتُ ..
روحٌ تصعد والصمت يلبس الشفاهْ
لا جسداً يتعب
لا جسداً تتوه رجلاهْ
مشوار المدرسة الصباحي
يد أبي ونحن نحمل الخبز
طابور السابعة صباحاً 
بائع الإسفنج
شاي إبريقنا الأزرقُ
رمل الباحة
أصابع قدمي والحلم قلبي
رفاق الزقاقْ
ثوب أمي والعيون عمري
سلة الخضار
طبق التمر والسكر
تاغرويلُ
شاحنة الماء
عطش آبْ
لا شمساً تمحو صيفها
أموتُ وهذي العيون شمسي
وهذا القبر يحتاج البريقْ.

***
وأموتُ..
لا حسرة يبيعها الترابْ
أنا .. عيناي .. ووجه ربابْ
حبيبان كنا والعمر يحسب عمره
عينان والدمع قلبانا
لا حزن سوانا
يشتاقنا الصباح الندي
تشتاقنا مراجيح الحديقةْ
أكبر في الموت والرباب بريقي
لا دفء بريقي
يحضنني الظلامْ
كل الذكريات حصى الترابْ
دراجتي الحمراء
رفاق الزقاقْ
بخور أمي والختان عيدْ
حوش دارنا
دخان الشواء
زغاريد الجارات
فرح أمي والطبق تاغرويلْ
جلبابي الأبيض
ثوب أمي في الأسواقْ
لا ذكرى تموت ..
كل الذكريات عمري
وهذا القبر يحتاج البريقْ.

***
وأموتُ ..
لا خوفاً يضخه القلبُ
لا جفناً يستعطف الدمعَ
لا دمعاً يمحو الذكرى
عينان كانتا لي
وهذا التراب ترابْ
نديُ الحصى يسكنُ الأجفانْ
وأنا الفارّ من جسدي
لا تراباً تخشاه الأحداقْ
رباب دمع الروح
والروح هناك .. تصعد الدرج
تلبس المنديل
تضع الأساور
تحمل الخاتم
تخلط الألوانْ
لا وجه هناكْ ..
أموتُ .. ولا ذكرى تموتْ
وهذا التراب ترابْ
كل الحصى بعيني وأنا الميتُ
لا ذكرى تموتْ ..
يداها .. ربابُ
يداها .. والدمع دفء الخدينْ
لا وسادة تلقاها
عيناي عيناها ..
وأنا الترابْ
وهذا الحصى روحها
تمسح القبر
تقرأ الفاتحة
تسكب الماء .. فتبكي المقبرة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]