نجود حسين

كاتبة من سوريا

القاع

إنّي أموت. الله.. سأموت أخيراً...إنّه القاع.

الجسد يتململ في الفراش يميناً، شمالاً؛ يميناً، شمالاً، بعد أن كان ساكناً براحة شبه أبديّة. الهامة تعبت من الانتصاب طويلاً؛ انتظاراً لانحناءات متكرّرة، وانثناءات طويلة الأمد جلوساً، أو ظهراً يحمل أحدهم أو بعضهم أو جراب همومهم، أثقالهم، أيّ شيء، حتّى غدا الاستلقاء حلماً بعيداً، وأعلى ممّا كانت تحلّق.

* ما دام لكِ ملكوت آخر، عالم يخصّك، فلم تحتلّينني؟

تمدّد الجسد المنهك، وهو يظنّ أنّ هذه السكينة قاعه.. آه...

ما أجمل هذا! العينان أغمضتا والحلم ربّما ..

هل حان الوقت؟

خرجت منه، تحرّرت، تسبح في فضاءاتها.. تستسلم للفراغ.

أي انعتاق!!

هذا الذي بلا ارتباطات، بلا صِلات، بلا يوميّات، أو انتظارات، ولا خيبات. بلا ماض، بلا غد. تغوص في اللاشيء. تتلاشى سقوطاً. تتكوّن صعوداً، تهيم، تتشكّل، لا تتشكّل... طويلاً ظنّته الوقت خارجاً، قضت بعيداً عن مسكنها سنين ضوئيّة. ثـمّ بحاجة إلى استرخاءة الراحة، عادت إلى جسدها.

***

النبض المنتظم تسارع. النفس المتواتر أصبح لهاثاً. السكون تحوّل إلى حركة عبثيّة متكرّرة، متواقتة أو غير متواقتة. أهمّ ما في الأمر، أن لا استقرار...

ملاحَق بعدم التصديق، بانتفاء القناعة، والجري الدؤوب إلى ما لا يدري! كيف يقوم كلّ هذا الكون على الحركة؟ أحبّ أن أركن إلى تعبي؛ كي أستمتع بانتهائه حين الراحة. أودّ لو أتّكئ على همّي في لحظة فرح. لا أن ينتظراني متأهّبَين دائماً؛ كي تتراكم الأعباء.

*** 

تخيّل تلك الحلقات المفرغة، التي يدور بها العالم! الأرض التي تكاد تتهاوى من إرهاق التعليق والدوران والمدارات والمحاور، ابتغاءات الفصول، وعتبات الأبيض والأسود.

***

أوراق الأشجار التي وجدت في تساقطها خريفاً، عرياً جميلاً، يطلّ من رثّ الكساء. من حيث لا شيء يطل، تتهادى نحو الأرض بشوق. لم تكد تصل. الريح شنّت حرباً أخرى، وشدّت بها نحو ساح المجهول.

***

مدّ وجذر سحبا حبّات الرمل إلى القاع. أيّتها الباحثات مثلي عن مستقرّ؛ فلتهنأن. بعضٌ من الوقت.. يهيج الماء.

إلى أين سيقذف بك هذه المرّة؟!

***

البراكين، الزلازل..

غثيانات، إقياءات، غيبوبة...

***

إنّي أموت. الله.. سأموت أخيراً...

...إنّه القاع.

***

صوت امرأة تتوجّع، تصرخ..

***

يخرج من ذاكرة الجسد المسجّى، بعد حين، بكاء طفل وليد.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إقرأ أيضا