عبد الرحيم نور الدين

كاتب ومترجم مغربي

لا ثورة تكنولوجية من دون سيادة رقمية

للاستفادة الكاملة من وعود الذكاء الاصطناعي ستحتاج إفريقيا إلى خبراء وطنيين أكثر من الخبراء الأجانب.

نصّ لفيليب وانغ، نائب رئيس شركة هواوي لشمال إفريقيا، ترجمة عبد الرحيم نور الدين:

 

في تموز/يوليو 2019، ستُعقد الندوة الثالثة لأمن الإنترنت لإفريقيا (CSSA) في كيب تاون، جنوب إفريقيا، التي تسلّط الضوء على الوعي الإفريقي الجديد بخصوص أمن تكنولوجيا المعلومات. لقد أظهرت بعض الأحداث الأخيرة أن القارة عُرضة للهجمات التي تعرفها مناطق أخرى من العالم. في بداية شهر آذار/مارس، وقع بنك سنغالي ضحية لقرصنة تحوّلت خلالها حسابات ذات أرصدة متواضعة إلى حسابات ذات مبالغ كبيرة جداً.

في المجموع، سُرِقَ مؤقتاً أكثر من 250 مليون فرنك إفريقي (أكثر من 380 ألف يورو) من البنك، قبل اكتشاف الجناة. يوضح هذا المثال أن لا أحد في مأمن، وأن أمن الشبكات أمر بالغ الأهمية، في إفريقيا كما في باقي بقاع العالم.

تعكس الهجمات التي تمّ ارتكابها ضد الفاعلين الرقميين الرئيسيين عجز العملاء التام، عندما يعتمد أمن الخوادِم الموجودة في الخارج، فقط على التدابير الأمنية التي اتخذتها (في أحسن الأحوال) شركة ما، ليس لدولتهم عليها أية سلطة أكانت سلطة المساعدة أو سلطة المعاقبة، يجعل الدخول في عصر يصبح فيه الأمن السيبراني مشكلة يومية، رهان السيادة الرقمية بالغ الأهمية. من خلال هذه الفكرة، نعني قدرة توفر أي بلد أو قارة على بنيات تحتية للشبكة الأساسية خاصة بها، وتقليص تبعيته لفاعلين أجانب عن منطقته.

إن السيادة الرقمية هي قبل كل شيء وسيلة للدول والمواطنين لاستعادة السيطرة على الطريقة التي يتم بها استخدام وحماية قنوات الاتصال الحيوية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وتتضح مخاطر التبعية للخارج كذلك من خلال الفضائح الأخيرة التي تجلّت في التلاعُب بالشبكات الاجتماعية التي كانت ضحيته مناطق عديدة من العالم.

وهنا أيضاً، من الضروري أن يكون لدى البلدان الإفريقية مراكز بيانات data centers في أراضيها، لأن الدول لا تستطيع ممارسة سلطتها التنظيمية بشكل كامل إلا على المواقع المستضافة فيها فقط. ومع ذلك، حتى في المواقع المستضافة في الخارج، يمكن للدول الإفريقية إنفاذ تشريعات تهمّ حماية البيانات. وبالفعل، فعلى هذه الأسُس يتمّ بناء سيادة رقمية مؤكّدة، والتي تمرّ عبر تقوية البنى التحتية والتشريعات المحلية، من أجل حماية قصوى للشبكات القارية من المشاكل الخارجية.

ولكن، إلى جانب البنيات التحتية المادية، يتطلّب إنشاء فضاء رقمي إفريقي خاص، تطوير تطبيقات تستخدم تكنولوجيات جدّ متقدّمة. لهذا، يصبح خلق مراكز تكوين للمطوّرين حاجة ملحّة، لأنه إذا لم تكن التمويلات والتكنولوجيات مفقودة، فإن المواهب، في الوقت الحالي، تبقى نادرة. وللاستفادة الكاملة من وعود الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والأتمتة، ستحتاج البلدان الإفريقية إلى خبراء وطنيين قادرين على الإحاطة بالرهانات المحلية بشكلٍ أكثر حدّة من الخبراء الأجانب الذين قد يميلون إلى تكرار أساليب صالحة فقط في أسواق بلدانهم الأصلية.

وبالتالي، فإن تكوين سيادة رقمية إفريقية ليس شعاراً طناناً ولا مشروعاً بعيد المنال. على العكس من ذلك، تعدّ هذه السيادة عنصراً أساسياً في القفزة الرقمية الإفريقية، حيث إنها الإطار الذي سيتطوّر فيه النظام البيئي للبنيات التحتية والمؤسّسات والتطبيقات، الذي بفضله ستتمكّن بلدان القارة من تسريع تنميتها الصناعية وبناء الرخاء المستدام. من المؤكد أن بناء هذه السيادة الرقمية لن يتم في وقتٍ وجيز، لأنه سيتطلّب صرامة ومنهجاً، وقبل كل شيء مساعدة جميع الشركاء التكنولوجيين الذين يرون في بزوغ إفريقيا فائدةً للعالم أجمع.

 

المصدر: فيليب وانغ، (نائب رئيس شركة هواوي لشمال إفريقيا)، مجلة "جون أفريك" عدد 3049 (من 16 إلى 22 حزيران/يونيو 2019).

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]