توأم التاريخ حلب والموصل.. بلاد ما بين المشروعين تختار الدولة

محمد سيف الدين

صحافي وباحث لبناني، بدأ عمله الصحفي عام 2007، عمل في الإذاعة وفي الصحافة المكتوبة والإلكترونية، متخصص في شؤون الأمن الروسي، والعلاقات الروسية الأطلسية. الكاتب على موقع تويتر: @mseiif
في قلب الشرك الأخبث الذي رميت فيه شعوب الشرق الأوسط ودوله منذ سنوات، وقعت مدينتان لطالما تلازم مصيرهما منذ العصور الغابرة. حلب والموصل كانتا في ركيزة المشروع-الوحش الذي أطلق على المنطقة، وأُريد له أن يفترس تاريخها وحاضرها وفرص تطورها، وخيرة أبنائها.
أثار قلعة الرحبة- الدولة الحمدانية
أثار قلعة الرحبة- الدولة الحمدانية
المدينتان المذهلتان الواقعتان على قوس المجد فوق تاريخ بلاد ما بين النهرين والشام، احتضنتا في حاراتهما مزيجاً حضارياً مشعاً من المسيحيين والمسلمين بمذاهبهما المختلفة والغنية، مضافاً إلى مزيجٍ خلاقٍ من الكرد والعرب والتركمان والآشوريين والشركس والأرمن والسريان، وكلهم في بوتقةٍ واحدةٍ تشتعل ألقاً كتاجِ مرصعِ ثنائي القطب على رأس بلاد الحضارات المتعاقبة.

في التاريخ، عاشت المدينتان خلال عصور متتالية في ظل حكم واحدٍ، وارتبطتا بتفاعلٍ متبادل، وفي ظل الحكم الإسلامي حافظت المدينتان على التنوع الذي تختزنانه خصوصاً في ظل الدولتين الحمدانية والزنكية. والأسرة الحمدانية التي حكمت نينوى وحلب بين عامي 890 و1004 ميلادية هي أسرة عربية يعود نسبها إلى بني عدنان، وتحديداً إلى فرع بني تغلب، حيث كان سيف الدولة أميراً على مدينة حلب، فيما كان ابن عمه ناصر الدولة أميراً على نينوى التي تعرف اليوم بالموصل.

وشهدت المدينتان في ذلك الزمن ازدهاراً فكرياً وعلمياً فأنتجت أعلاماً من أمثال أبو الطيب المتنبي، والخوارزمي والفارابي وأبو الفرج الأصفهاني، وامتدت سطوتها من الاناضول إلى الشام والعراق.

وفي المرحلة التي تلت الحمدانيين، في عهد الزنكيين، واجهت المدينتان الغزوات الافرنجية، وتبادلتا المساعدة ضد الغزاة، حيث ساعدت الموصل حلب لفك الحصار عنها، ورد الهجمات التي تعرضت لها خلال القرنين الثاني والثالث من الألفية الثانية.

وفي ظل حكم الدولة العثمانية، عاشت المدينتان الضغوط عينها، حيث سعت السلطنة إلى ضم الموصل مراراً، بينما كانت حلب واقعة ضمن أراضيها.

 


وفي العصور اللاحقة، تألقت كل من حلب والموصل صناعياً وتجارياً، وازداد عمرانهما بين الحواضر الاخرى، فنمت طبقة من الصناعيين الممتازين، وازدهرت التجارة من وإلى المدينتين، حتى شكّلتا مساراً أساسياً للحركة الاقتصادية في سوريا والعراق.

وتتشابه المدينتان في مدى أهميتهما كل واحدة بالنسبة إلى دولتها، فحلب هي العاصمة الاقتصادية لسوريا وثاني أكبر مدنها، مثلها كمثل الموصل ثاني المدن العراقية ووصلة الربط مع الشمال السوري والطريق إلى الساحل والأناضول.

لقد مثّلت هذه المكانة المرتكزة إلى أسباب تفوق بكثير ما ذكرناه، محط أطماع للقوى التي أرادت ضرب وحدة الدولتين السورية والعراقية. وليس من المستغرب بعد ذلك أن تقع المدينتان تحت مجهر المجموعات الإرهابية التي أرادت السيطرة عليهما كمقدمةٍ لإسقاط مشروع الدولة الوطنية في العراق والشام.

وعلى الرغم من الآثار السيئة التي تركها الإرهابيون خلفهم في المدينتين، على مستوى الوعي العام، والذاكرة الجماعية للسكان، والتأسيس للقسمة الطائفية، وتدمير الموروثات الحضارية، وتسميم الكيمياء الإيجابية بين مكونات النسيج الاجتماعي في المدينتين الكبيرتين؛ فإن عودة حلب إلى حضن الدولة السورية، واستعادة القوات العراقية والحشد الشعبي للموصل، تشكلان معاً محطةً أساسية فائقة الأهمية على طريق كسر ظهر المشروع الإرهابي في الشرق الأوسط، وإفشال المشروع الغربي الذي هدف إلى تغذية الانقسام ومد الإرهابيين بمساعدات التجاهل والتغاضي والتسهيل والاستسهال، وتوفير الوقت لهم للسيطرة على المنطقة.

وكما كان مأمولاً من قبل أبناء الشرق الأوسط، فقد شكّل تحرير مدينة حلب في الأشهر الفائتة منطلقاً لديناميكية متسارعة من التداعي لحصون المجموعات الإرهابية في غير منطقةٍ من سوريا والعراق. وفي هذا السياق، ليس أدلّ على الترابط بين الموصل وحلب في ذهن أصحاب المخطط الإرهابي المنهار سوى انسحاب تنظيم "داعش" من ريف حلب مباشرةً بعد خسارة التنظيم لمدينة الموصل. ففي مشروعهم لا تفيدهم السيطرة على حلب من دون الموصل، والعكس صحيح. وبالمقابل، في رؤية الدولتين السورية والعراقية، لا أمان لإحدى المدينتين من دون أمان الأخرى، والأمر نفسه بالنسبة لحال الدولتين المقبلتين على انتصارٍ كبيرٍ ونهائي بصورةٍ عامة.