ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

ظريف في لبنان: توسيع الفضاء الإيراني؟

يمكن أن نرى أن لإيران فضاءً طبيعياً في لبنان، حيث يمثل العامل الثقافي والديني بُعداً هاماً في العلاقة بين إيران والشعب اللبناني، تمتد عبر التاريخ إلى العهد الصفوي حيث قام العديد من رجال الدين اللبنانيين بالهجرة الى إيران، ثم مجيء علماء الدين من إيران إلى لبنان، والذين كان لهم تأثير كبير في الحياة الدينية والسياسية في لبنان، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، الإمام موسى الصدر الذي أسّس "حركة المحرومين" قبل اختفائه.

كان لافتاً هذا الأسبوع وخلال زيارة وزير الخارجية الإيراني محمّد جواد ظريف إلى لبنان، تركيزه على العلاقات بين "دولتين"
كان لافتاً هذا الأسبوع وخلال زيارة وزير الخارجية الإيراني محمّد جواد ظريف إلى لبنان، تركيزه على العلاقات بين "دولتين"

ضمن إطار محاولة الدول الاقليمية التأثير في محيطها الجغرافي، تنظر الدول إلى الفضاء الذي يمكن لها التأثير فيه والذي يُقسم إلى نوعين: فضاء طبيعي، وفضاء مُكتَسب. بالنسبة للفضاء الطبيعي، تشكّل الثقاقة والدين والتاريخ والهوية دوراً هاماً في إنشائه، خاصة أن التفاعلات ضمن هذا الفضاء تبدو طبيعية ومنطقية ولا تثير أية حساسيات. أما الفضاء المُكتَسب فهو ما تحاول الدولة الاقليمية أن تصنعه وتكتسبه بواسطة المساعدات التنموية والإقتصادية والتعاون العسكري والاستراتيجي وغيرها... ولا شكّ أن علاقات الفضاء الأول هي أعمق وأثبت وأكثر صلابة من علاقات وتفاعلات الفضاء الثاني التي تحكمها المصلحة المشتركة والتي عادةً ما تكون مُتبدّلة بتبدّل الأحداث والظروف الدولية والاقليمية.
من ضمن ما تقدّم، يمكن أن نرى أن لإيران فضاءً طبيعياً في لبنان، حيث يمثل العامل الثقافي والديني بُعداً هاماً في العلاقة بين إيران والشعب اللبناني، تمتد عبر التاريخ إلى العهد الصفوي حيث قام العديد من رجال الدين اللبنانيين بالهجرة الى إيران، ثم مجيء علماء الدين من إيران إلى لبنان، والذين كان لهم تأثير كبير في الحياة الدينية والسياسية في لبنان، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، الإمام موسى الصدر الذي أسّس "حركة المحرومين" قبل اختفائه.
أما من الناحية السياسية، فتذكر المصادر التاريخية أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين تعود إلى عام 1912 وهو تاريخ إنشاء أول قنصلية إيرانية في لبنان، والتي تحوّلت عام 1927إلى قنصلية لكل من لبنان وسوريا وفلسطين وكان مركزها بيروت. وكانت إيران من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال لبنان عام 1943، وتوطّدت تلك العلاقات في عهد الرئيس الراحل كميل شمعون بانضمام البلدين إلى "حلف بغداد" وزيارة شاه إيران بيروت عام 1957.
بسقوط الشاه وقيام الثورة الإسلامية في إيران 1979، ثم نشوب الحرب العراقية الإيرانية(1980- 1988)، والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، خرجت العلاقات اللبنانية الإيرانية من إطارها الرسمي الوثيق إلى إطار الفضاء الطبيعي، فأفتى الإمام "الخميني" بتشكيل مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقام الحرس الثوري الإيراني بإنشاء مراكز في البقاع لتدريب عناصر لمقاومة إسرائيل، فتأسّس "حزب الله".
وبالرغم من تطوّر العلاقات بين لبنان وإيران خاصة بعد حرب تموز 2006، إلا أن العلاقة الإيرانية مع فضائها الطبيعي في لبنان بقيت أكبر حجماً وشأناً من علاقاتها مع الدولة اللبنانية، بالرغم من زيارة الرئيس محمود أحمدي نجاد ومحاولات الإيرانيين عرض المساعدات الاقتصادية والعسكرية على اللبنانيين كافة.
وكان لافتاً هذا الأسبوع وخلال زيارة وزير الخارجية الإيراني محمّد جواد ظريف إلى لبنان، تركيزه على العلاقات بين "دولتين"، ومحاولة تقديم المساعدات للبنان- الدولة، أي محاولة الانتقال بالعلاقات من الفضاء الطبيعي الأضيق إلى فضاء مُكتَسب أكبر، قوامه دولة لبنان.
يحتاج اللبنانيون اليوم إلى المساعدة الإيرانية في ملفات عدّة خاصة في مجالات تنمية البنى التحتية، والاقتصاد والمساعدة على عودة السوريين إلى بلادهم وغيرها... لكن، بالرغم من أن هذه المساعدة قد تحقّق مزيداً من التعاون بين البلدين مُستفيدين من الآلية التي أنشأها الأوروبيون للتعامل التجاري مع إيران، فإن هذا لا يعني أن لبنان بأكمله بات "فضاءً إيرانياً" كما يحاول البعض توصيف هذه الزيارة، للتحريض على اللبنانيين في الخارج وخاصة في الولايات المتحدة، ولمطالبتها بفرض عقوبات على اللبنانيين والإحجام عن مساعدتهم ومساعدة الجيش اللبناني.
إن قبول لبنان بالمساعدة الإيرانية، محكوم بالتوافقات الداخلية، وبالصراع في المنطقة، وبالرغم من حاجة لبنان للمساعدات، إلا أن من مصلحة لبنان وإيران معاً، أن يُبقي لبنان على التوازن في علاقاته بين المحاور المتصارعة في المنطقة، ومن مصلحة اللبنانيين جميعاً، الحفاظ على علاقات جيّدة مع كل من العرب وإيران، لأن أيّ انحياز إلى هذا المحور أو ذاك، قد يدفع إلى استيراد مشاكل الخارج إلى الداخل اللبناني، ونحن بغنى عن ذلك.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً