محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

في ذكرى 17 شباط/ فبراير.. صراع (فرنسي- إيطالي) على نفط الجنوب الليبي

نعم يكاد يكون هناك إجماع دولي على تعقيدات الوضع والمشهد في ليبيا في السنوات الأخيرة، وسط حال من الانقسام الداخلي والخارجي أيضاً، بشأن الحلّ السياسي نحو إعادة الاستقرار لبلد تعتبره أوروبا يمثّل تهديداً أمنياً لها، لكنها أجندات مُتضاربة وتوازنات مُتغيّرة تبعاً لصراعات مُعقّدة، والثابت الوحيد فيها وجود مخطط إرباك واضح من مصلحته الإبقاء على حال التوتّر لتحصيل مكاسب أخرى سواء في ليبيا أو في جوارها الجنوبي التشادي، من هناك تحديداً بدأت معركة الأجندات الخارجية تظهر إلى العلن شيئاً فشيئاً خاصة، ومنها الأوروبية والصهيونية.

في ذكرى 17 شباط/ فبراير.. صراع (فرنسي- إيطالي) على نفط الجنوب الليبي
في ذكرى 17 شباط/ فبراير.. صراع (فرنسي- إيطالي) على نفط الجنوب الليبي

فهي ليبيا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في القارة الأفريقية كما أنها من أبرز الدول ذات الاحتياطات النفطية الكبيرة حيث تجاوزت احتياطاتها 40 مليار برميل. ما جعلها تقع في صراع (فرنسي- إيطالي)، ففي عهد القذافي كان قرابة (50 شركة) فرنسية تعمل في ليبيا، لكن بسبب حقل نفطي في الجنوب الليبي، وعد به القذافي فرنسا، ثم منحه لإيطاليا بعد اعتراض أميركي، ظل هو أصل الخلاف بين (فرنسا وإيطاليا) منذ ذلك. تطوّرت لحرب تصريحات اشتعلت بينهما، لتُلقي بظلالها نحو براثن صراع المصالح بين الدولتين، يعمّقها الخلاف (الليبي- الليبي).
سبق أن خرج نائب رئيس الوزراء الإيطالي، مُتّهماً فرنسا بأنها لا ترغب في تهدئة الأوضاع في ليبيا التي يمزّقها العنف بسبب مصالحها في قطاع الطاقة. قائلاً "في ليبيا: فرنسا لا ترغب في استقرار الوضع ربما بسبب تضارب مصالحها النفطية مع مصالح إيطاليا". فيما ردت عليه، ناتالي لوازو الوزيرة الفرنسية المُكلّفة بالشؤون الأوروبية: إن "فرنسا لن تشارك في مسابقة الأكثر غباء". كما وصف مكتب الرئيس ماكرون، التصريحات الإيطالية بـ"السخيفة".
على الجانب الآخر، نجد ثنائية (بنغازي- طرابلس)، فالأولى تمثل قوّة الجيش بقيادة حفتر، والبرلمان الليبي، والثانية تسيطر عليها حكومة الوفاق الوطني. ليبدأ نسج خيوط الصراع الأوروبي، حيث تواجد فرنسي عسكري في تشاد والنيجر على الحدود الجنوبية لليبيا وهو ما يساعد من حضورها في ليبيا، كذلك فإيطاليا ذات تاريخ استعماري هناك، مع تشابك علاقتها بالقوى الموجودة في طرابلس، كما عملت مؤخّراً على فتح أبوابها لقائد الجيش الليبي في محاولة لنزع أيّ تأثير فرنسي في ليبيا. بات ذلك واضحاً مع عقد مؤتمرات دولية حول ليبيا منذ أيار/ مايو 2018، بهدف وضع خارطة طريق مشتركة ترمي إلى تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية في البلاد وكان نفس توجّه مؤتمر باليرمو الإيطالي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 والذي كان ردّاً على مؤتمر باريس.
الحقيقة إنها المصالح الاقتصادية، التي تشكّل لبّ الصراع، حيث قدَّر اتحاد أرباب العمل الفرنسي في أيلول/ سبتمبر 2011، تكلفة إعادة بناء ليبيا بنحو 200 مليار دولار على الأقل على مدى عشر سنوات. على أن يكون لفرنسا التي لعبت دوراً في دعم (الليبيين) نصيب كبير في الاستثمارات في ليبيا، وهو ما يسعى ماكرون إلى تحقيقه فعلياً. كذلك المصالح الإيطالية الكبيرة هناك، حيث تسيطر شركة "إيني" على أغلب حقول النفط في برقة وفزان. كما تستورد روما 48% من استهلاكها من النفط من ليبيا، وأكثر من 40% من الغاز الطبيعي.
واقع تنافس (إيطالي- فرنسي) في ليبيا، لكن كيف سيؤثّر على مستقبل النزاع في ليبيا الغارقة في الفوضى؟ وكيف تبدو مواقف دول أخرى كالولايات المتحدة وألمانيا وسط هذا التنافس؟ إنها كعكة النفط وهاجس المُهاجرين، فليبيا مهمة بنفطها وموقعها الاستراتيجي خاصة بعد أن تحوّلت إلى نقطة عبور للمهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا منذ الإطاحة بالقذافي. عليه فهو صراع بين البلدين، فالتقارير الصحفية سبق أن أشارت إلى نوع من التنسيق بين إيطاليا والولايات المتحدة، فقد نشرت وكالة الأنباء الإيطالية في تموز/ يوليو الماضي، أن كونتي سيطلب من ترامب تعاوناً بين البلدين في ما يخصّ مرافقة الانتقال السياسي في ليبيا، وأن هذا التنسيق يأتي في ظل خلافات بين فرنسا وإيطاليا.
الحقيقة إنها حرب (فرنسية- إيطالية) ضارية في الجنوب منذ أيار/ مايو 2018، فإذا كان طرفا الصراع على شاطئ المتوسّط ليبيين، فإنّ أرض الصراع على حدودها الجنوبية الغنية بالثروات النفطية، بين عملاقي التنقيب واستخراج النفط (ENI) الإيطالية و(TOTAL) الفرنسية في حرب مُستعرة وخفيّة تدور رُحاها على أرض باتت مجالاً للفوضى والمُتغيّرات المتتالية. هذا ما أدركته إيطاليا، فقد سبق لوزير الداخلية الإيطالي أن أعلن عقب زيارة أداها إلى واشنطن السنة الماضية إن الإدارة الأميركية تدعم حلاً أممياً تقوده إيطاليا لحلحلة الأزمة في ليبيا، وهذا مؤشّر واضح على أن المعركة (الإيطالية- الفرنسية) على بوابة أفريقيا من الجنوب الليبي مازالت متواصلة.
في ضوء ذلك، يبدو أن الصراع بينهما مرشّح للاستمرار نحو جولات جديدة، في ضوء حرب جيوسياسية مستعرة بين القوّتين الأوروبيتين، وإن يبقى أنه لا القوّتان ولا غيرهما من الدول يستطيع إيجاد حل نهائي للأزمة، لأن الحل يأتي من الليبيين أنفسهم وهذه الدول مهما حدث تبقى مساهمتها محدودة. وإن كان يمكن التأثير في الوضع الداخلي لدولة يتصارع فيها طرفان واضحان، فمفهوم الدولة نفسه غائب والحكومتان المتصارعتان لا سلطة لهما على البلد، إذ تجد عدداً كبيراً جداً من القوات المتصارعة التي تتغيّر ولاءاتها ومناطق انتشارها ونفوذها بشكل كبير. كذلك يبقى أن الصراع (الفرنسي- الإيطالي) ليس الوحيد في الجنوب الليبي، فـالكيان الصهيوني بدوره يتحرّك بكثافة مع حليف تشادي، حيث الزيارات وإعادة العلاقات والتطبيع العالي المستوى، من أجل إقامة دولة لقبائل التبو في المنطقة. وهو ما قد يزيد من تعقيدات الصراع الخفيّ حيث التضاريس الوعرة من الطبيعة إلى السياسة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً