إدلب وشرق الفرات.. وخيارات الدولة السورية

ضمن المُدركات السياسية لجُزئيات الحرب على سوريا، بات واضحاً أن تركيا لا تخرج عن السياق الاستراتيجي الناظِم للسياسية الأميركية في سوريا، خاصة تلك المُعطيات التي تؤكّد بأن الولايات المتحدة استأنفت تدريب بعض الفصائل الإرهابية في قاعدة التنف.

ملف إدلب مُرتبط عضوياً بشرق الفرات
ملف إدلب مُرتبط عضوياً بشرق الفرات

وهذا يشي بتفاصيله بأن واشنطن تحاول هندسة الميدان السوري من جديد، فضلاً عن جملةٍ من الأهداف التي تبدأ باحتواء النفوذ الإيراني في سوريا، ولا تنتهي بمنع روسيا من الانفراد بأية معادلة سياسية تُؤسِّس لإقصاء واشنطن عن مضامين الحل في سوريا، ضمن هذه المُتغيّرات، برزت في الآونة الأخيرة مُستجدّات قد تُغيّر العديد من المُعادلات في سياق الحرب على سوريا، حيث أن الصواريخ الروسية S-400 والتي باتت في يد تركيا، قد أضافت بُعداً جديداً في العلاقة الروسية التركية، هو بُعد قد لا يُبنى عليه في الترتيبات النهائية للملف السوري، لكن روسيا تحاول استثمار هذه الصفقة سياسياً، وتوظيف نتائجها جُزئياً في ملفيّ إدلب وشرق الفرات، فتركيا كانت ولا زالت تعتمد مبدأ التعامُل بالمُتناقضات السياسية، ولا تزال أطلسية الهوى أميركية التوجّهات، فالسياسة التركية تُجاه سوريا تختلف في المضمون والأهداف عن روسيا وإيران، وتتوافق جُزئياً مع التوجّهات الأميركية، وبالتالي باتت تركيا على طرفيّ نقيض، وضمن ذلك باتت العلاقة الروسية التركية في إطار التوجّس لكلا الطرفين، ما يعني أن أيّ اتفاق أو تفاهُم قد لا يُوثّق واقعاً على الأرض، ما لم يتم تحديد المسار والاتجاه الناظِم صراحة للعلاقة بين البلدين، وتحديداً الجُزئيات المتعلّقة بإدلب وتفاهُمات شرق الفرات.

 الإشكالية الكبرى بين روسيا وتركيا باتت تتمحور حول صِيَغ اتفاقيّ أستانا وسوتشي، وبالتالي يحاول البلدان بناء علاقتهما على مبدأ فصل الملفات ما أمكن، بُغية منع الوصول إلى مرحلة انعدام الخيارات، مع استمرارية البحث عن مؤشّرات النجاح في مضامين العلاقة بينهما، فالثابِت أن روسيا لن تتخلَّى عن سوريا للعديد من الأسباب الاستراتيجية، وبشكلٍ أولي هناك ضرورة ظرفية لاحتواء التطلّعات التركية في إدلب وشرق الفرات، وتبديد أية هواجس قد تُشكّل خطراً على النتائج السياسية والعسكرية التي حُقِّقَت سورياً وروسياً وإيرانياً.

جاء اجتماع أستانا الأخير في وقتٍ مفصلي ودقيق، حيث أن معركة إدلب وتجلّياتها تعكس حالة من الصراع الحاصل بين القوى الإقليمية والدولية؛ هذا الصراع يُعدّ ترجمة حقيقية لجملة من المُتغيّرات الطارِئة في أدوار الفاعلين المؤثّرين في الملف السوري، فالإعلان الأميركي لجهة الانسحاب من سوريا جاء ضاغِطاً لكافة الأطراف، ولا يمكن الحد من التأثير السياسي والعسكري للقرار الأميركي، إلا ضمن نظريات النفوذ التي تحاول كافة الأطراف ترجمتها واقعاً على الأرض، وهذا ما جعل تركيا مُندفعة ضمن خيارات المناورة السياسية ذات الأبعاد العسكرية التصعيدية، وبالتالي فإن مُراكمة البيانات السياسية والعسكرية في الملف السوري تُوحي لنا بأن نسخة أستانا الأخيرة تحمل بُعدين هامين:

الأول – اجتماع أستانا لا يمتلك القدرة الكافية للدخول في خيارات الحسم السياسي أو العسكري في سوريا، ولا يُمكنه تأسيس صِيَغ توافقية تُؤسّس لحلولٍ نهائية.

الثاني – اجتماع أستانا لا يمتلك القدرة الكافية على المناورة المباشرة بين المحاور الإقليمية والدولية، بما يُفضي إلى نتائج تُرضي كافة الأطراف الفاعِلة في الشأن السوري.

ضمن هذين البُعدين تقوم تُركيا بالمناورة لدراسة كافة الخيارات الممكنة للحصول على مكاسب سياسية، من جهةٍ أخرى تحاول واشنطن فَرْضَ واقع تواجدها وتأثيراته السياسية الضاغِطة، إضافة إلى رغبتها في أن تكون أحد أعمدة الحل السياسي في سوريا، لكن ضمن رؤيتها الاستراتيجية، خاصة وأن واشنطن أعلنت نفسها طرفاً أصيلاً في المشهد السوري، ورغبتها في تغيير المُعطيات الحالية، لكن في المقابل ومن وجهة نظر القيادة السورية، فإن ملف إدلب بات من الضرورة بمكان إغلاقه سياسياً أو عسكرياً، بُغية مَنْع بقاء إدلب رهينة الخيارات الإقليمية والدولية، وكذا ملف شرق الفرات وضرورة التوجّه إليه بكافة المسارات السياسية والعسكرية، بُغية إعادته إلى السيادة السورية، فيُضاف إلى ذلك هدفٌ سوريٌ بعيد المدى يتضمَّن إقصاء تركيا نهائياً عن مشهد الشمال السوري، فالنظرة الاستراتيجية للدولة السورية تُدرِك بأن تركيا تُصرّ على تعقيد الحل السوري عبر جُملةٍ من المُتناقضات في السياسة الأردوغانية، والواضح أن تركيا لا تُطبِّق ما تُصرِّح به، ولديها قدرة على التنصّل من أيّ اتفاق، حيث أن تركيا لم تتمكّن عملياً من تنفيذ بنود اتفاق سوتشي الخاص بالمناطق منزوعة السلاح، وبذات التوقيت لا يمكن لتركيا أن تبتعد عن التوجّهات الأميركية في سوريا، وتحديداً في جُزئيّة الكرد، وهي بذلك تحاول جَذْبَ واشنطن إلى مشهدٍ يُراد منه عقد صفقة تُمرَّر من تحت الطاولة، فالمنطق التركي يدرك بأن روسيا لن تُغيّر نهجها الاستراتيجي حيال سوريا، ولن تكون هناك حلول سياسية توافقية من دون موافقة من دمشق، بينما واشنطن تمتلك هامِشاً في معايير الصفقات والتوافقات، من الممكن أن يُدخلها في اتفاقٍ مع تركيا، تكون الأداة الكردية قربانه.

ملف إدلب مُرتبط عضوياً بشرق الفرات، فالعوائق والتعقيدات لا زالت تفرض بُعداً استراتيجياً لابد من البناء عليه سورياً وروسياً وإيرانياً، وبمعنى آخر لابد من ترتيب أوراق الشمال السوري ضمن المسارين السياسي والعسكري، خاصة وأن الحلف السوري الروسي الإيراني يُدرِك بأن تركيا لا تُفصِح عن حقيقية نواياها السياسية والعسكرية تُجاه الحل السياسي السوري، كما أن تُركيا لا تزال تُحابي واشنطن وتحاول جَذْبها إلى المسرح التركي لجهة المخاوف المتعلّقة بالملف الكردي، وضمن هذا تقوم الدولة السورية بدراسة كافة السيناريوهات الممكنة للالتفاف على المناورات الأميركية التركية في سوريا، لذلك وبصرف النظر عن مناورات النظام التركي وإمكانية استدارته مُجدَّداً نحو الغرب، أو البقاء ضمن نظريات تعطيل الحل السياسي في سوريا، من الممكن أن يكون تعويل دمشق على التفاهُمات الروسية التركية كبيراً لجهة الحل السياسي، لكن قوّة المُنجزات السورية بشقّيها السياسي والعسكري، ستفرض نمطاً ناظِماً يُجبِر تركيا على الالتفاف بشكلٍ إيجابي، وعليه الإسراع في تنفيذ بنود اتفاق سوتشي، مع إغلاقٍ كاملٍ للحدود، وقَطْع خطوط إمداد الفصائل الإرهابية، وبالتالي فإن القيادة السورية تقوم ببناء مُعادلة تحرير الشمال السوري بناءً على نظرية الحكمة السياسية والخبرة العسكرية.

في النتيجة، سيكون الجيش السوري عرَّاباً لأية مُعادلات إقليمية ودولية متعلّقة بملفيّ إدلب وشرق الفرات، فأيّ طموح غربي أو تركي في سوريا سيصطدم بمُعادلة التحالف القوي السوري الروسي الإيراني، ولن يكون بالنتيجة لأية قمّة أو اتفاق تحديد خيارات الدولة السورية إن لم تكن مُتطابِقة مع رؤية دمشق.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً