محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

لَا تَقْرَبُوا العِراق

عادةً ما يُلفَظ إسم دولة العراق بكَسِر العين (عِراق) وفي الأجنبيّة (IRAQ) وبالكرديّة (عيراق)، إلّا أنّ الشاعر محمّد مهدي الجواهري إختار أن يشكّل إسم العراق بطريقةٍ أخرى، أعطى فيها للدولة العراقيّة بعداً وطنيّاً بحتاً. فاستبدل حركة الكسرة الموجودة على العين بحركة الضمّة لتصبح (عـُراق). وفي إحدى المُقابلات، سألت مُقدّمة البرنامج الجواهري: "من أي بلد أنت؟" فأجابها: "أنا من العـُراق". ضحكت المُقدّمة قائلةً: "لكن كلمة العراق لا تُلفظ بالضم بل بالكَسْر". حينها قال الجواهري: "يعزّ عليّ أن أكسر عين العراق لأنّ عين العراق لا تُكسَر أبداً".

نيويورك تايمز عن مصدرٍ استخباري: إسرائيل شنّت هجمات على مخازن أسلحة عراقية لجماعات مدعومة من إيران
نيويورك تايمز عن مصدرٍ استخباري: إسرائيل شنّت هجمات على مخازن أسلحة عراقية لجماعات مدعومة من إيران

هذه مُقدّمة غريبة بعض الشيء.. لكن لا غرابة خاصة إذا جاءت العودة لما أعلنه وزير الدفاع العراقي نجاح الشمري في 20 آب/ أغسطس، من السيطرة الكاملة على حريق قاعدة بلد الجوية. وحيث أنه في حينها أكَّدت رصد القوّة الجويّة العراقية بل وأثبت وجود ثلاث طائرات مُسيّرة فوق محيط معسكر الصقر قبل الإنفجار وبعده "ما يُرجِّح احتمال أن يكون الإنفجار قد وقع بفعلٍ خارجيّ، وأنّه بسبب هوية الطائرات المجهولة أصدر رئيس الوزراء قراراً بمنع أيّ تحليق في سماء العراق من دون موافقة تتضمّن شرط تحديد زمان الطيران ومكانه، وأنه بعد سقوط عدد من الطائرات الأميركية المُسيَّرة تبيَّن أنها كانت تحمل صواريخ رُغم أن الإذن المُعطى منعها من ذلك".

ما أن مرّ وقت طويل حتى بدأت الخيوط تتكشَّف، فقد أعلنت القوات العراقية استهداف طائرة استطلاع حلَّقت فوق مقر اللواء الثاني عشر التابع لها. مع التأكيّد على أن الدفاعات الجوية في مقر اللواء الثاني عشر في حزام بغداد استهدفت الطائرة وأجبرتها على المُغادرة قبل أن تتمكَّن من تنفيذ مهمتها في الاستطلاع والتجسّس. تطوّرت الأحداث إلى أن حمّل العراق أميركا مسؤولية استهداف مواقع عسكرية ومستودعات أسلحة تابعة له، ووجّهت إنذاراً أخيراً لواشنطن من أن الردّ على أيّ استهداف جديد سيكون قاصِماً.

هو بيان الكتائب الذي أكّد عِلمها بمخطّط أميركي لشنّ هجمات جديدة مباشرة أو تحريض إسرائيل لتنفيذها، كما لم يستبعد البيان تخطيط واشنطن لتنفيذ تفجيرات واغتيال شخصيات وطنية عراقية وقيادات في الجيش. كذلك، وجَّهت الكتائب إنذاراً نهائياً للأميركيين بأن أيّ استهداف جديد ستكون عاقبته ردّاً قاصِماً وقاسياً. لقد ناقش الرؤساء الثلاثة في العراق الوضع الأمني ولا سيما التفجيرات التي استهدفت مقار الجيش وأكّد المجتمعون ضرورة التحقيق ودراسة جميع المُعطيات والالتزام بتعزيز التماسُك الداخلي والثبات على مبدأ مُراعاة سيادة العراق وأمنه واستقلاله.

نعم عبّر الجميع عن رفض مبدأ الحرب بالوكالة ومحاولة أيّ طرف إقليمي أو دولي جرّ العراق إلى حرب، مُعربين عن حرصهم على الجيش العراقي باعتباره جزءاً حقيقياً وفاعِلاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني. هنا وبالعودة إلى ما نقلته نيويورك تايمز، من أن إسرائيل شنّت هجمات على مخازن أسلحة عراقية لجماعات مدعومة من إيران. كذلك في سياق مُتّصل، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مصدرٍ استخباري أن "إسرائيل شنّت هجمات على مخازن أسلحة عراقية لجماعات مدعومة من إيران". وقالت إن "الطائرات الإسرائيلية أغارت على مقر عسكري عراقي في 19 من الشهر الماضي، والمقر الذي قُصِف شمال بغداد كان يستخدمه حرس الثورة لنقل الأسلحة إلى سوريا". كما أشارت إلى أن "الغارة الإسرائيلية على بعض المقار شمال بغداد الشهر الماضي شُنّت من الأجواء العراقية".

هذه المرة نجد أن العدوان يأتي من كيان يعتبره العراقيون كياناً غاصِباَ لأرضٍ إسلامية عربية، لذلك لا بدّ من أن يكون هناك رد، وعلى الحكومة العراقية أن يكون هناك رد على هذا الاعتداء لأن ذلك يؤكّد أن إسرائيل بدأت تستشعر خطراً من العراق . عليه فإن الإسرائيليين ليس الآن هم موجودون على الأراضي العراقية، بل وجِدوا منذ عام 2003، وطُرِدوا 2011 وعادوا مع الأميركان بعد عام 2014، وبالتالي وجود الإسرائيليين داخل الأراضي العراقية أيضاً معلوم. وهناك مُعطيات ومؤشّرات تؤكّد أن لهم جواسيس فضلاً عن وجودهم في العراق.

هنا حضرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، في 21 آب/ أغسطس، لتؤكّد أنها لا علاقة لها بالانفجارات التي وقعت مؤخراً في العراق. ونقلت وسائل إعلامية عن المُتحدّث باسم البنتاغون شون روبرتسون قوله، إنه "لا علاقة للولايات المتحدة بالانفجارات التي وقعت أخيراً في مخزن للسلاح في العراق". وذلك ردّاً على نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، الذي سبق وحمّل في وقتٍ سابقٍ أميركا مسؤولية استهداف المقار العسكرية العراقية، فيما أكَّد امتلاك الحشد معلومات وخرائط وتسجيلات عن جميع أنواع الطائرات الأميركية متى أقلعت ومتى هبطت وعدد ساعات طيرانها في العراق.

يبقى أنه على الجميع أن يتذكّر جيّداً، أنه سبق أن وثّقت منظمة اليونيسيف آثار الحصار على العراق بقولها إن خمسة آلاف طفل عراقي كانوا يموتون شهرياً بسبب هذا الحصار، ووثّقت مؤسّسة الأبحاث البريطانية «أو آر بي» موت 2,1 مليون مدني عراقي منذ الغزو الأميركى للعراق حتى 2007، المسؤولون عن قتل العراقيين بالحصار والعدوان العسكرى ليسوا بوش الأب والإبن وتاتشر وبلير فقط، بل كل مَن أعطى الذرائِع لهذا الحصار والعدوان. مع مرور العقود جاء ترامب وبومبيو والحلفاء في جوار العراق.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً