موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

تهاوي أحجار الدومينو الأميركي

قوى معسكر وحلف الممانعة والمقاومة تتقدَّم أكثر فأكثر وتُمسِك بزِمام المبادرة، المرة تلو المرة، سواء كانت قوى ومراكز حكومية أو غير حكومية.

حكومة الليبراليين في الأردن، تُعيدنا إلى أجواء الأحكام العرفية وتفتح باب المحاكمات أمام المعلمين
حكومة الليبراليين في الأردن، تُعيدنا إلى أجواء الأحكام العرفية وتفتح باب المحاكمات أمام المعلمين

بدءاً بسقوط نهج التطبيع في كل مكان، وبتصدّعات السعودية في معركتيّ النفط والجبهات العسكرية، مروراً بأفول الإسلام الإخواني وحلقاته (سقوط مُرشَّح إردوغان في إسطنبول ومُرشَّح النهضة في تونس والبشير في السودان)، وانتهاءً بحرب التجويع وتوقيف الناشطين وتهديد المعلمين على يد حكومة الليبراليين الجُدُد في الأردن، ها هي أحجار الدومينو الأميركي تتداعى حجراً حجراً، سواء كانت عواصم ومراكز حكومية أو غير حكومية، وسواء كانت تقليدية أو من جماعات الفوضى الهدَّامة وربيع الإسلام الأميركي وذيوله الليبرالية، وكذلك شباب الأوتبور وشبكاته الاجتماعية.

بالمقابل، فإن قوى معسكر وحلف الممانعة والمقاومة تتقدَّم أكثر فأكثر وتُمسِك بزِمام المبادرة، المرة تلو المرة، سواء كانت قوى ومراكز حكومية أو غير حكومية.

معسكران مُتصادِمان، يضمّ كل منهما طيفاً واسعاً من القوى الرسمية وغير الرسمية، ويشتبكان بين خطوط التصدّع الإستراتيجية في الهضاب الشمالية والشرقية قرب الأطلس الجنوبي وبين حفرة الانهدام والمضائق المُحاطة بأوديةٍ تاريخيةٍ سياسيةٍ أكثر منها جغرافية.

وليس بلا معنى في كل ذلك، أن تظهر جماعة أنصار الله اليمنية المُسوَّقة في الإعلام الأميركي باسم الحوثيين، كندٍّ قوي ومؤثّرٍ لواحدةٍ من أكبر ترسانات الأسلحة في الإقليم والعالم، وهي الترسانة السعودية، وقبلها حزب الله الذي قَلَبَ الطاولة على العدو الصهيوني في تموز 2006 وكَسَرَ أسطورة الجيش الذي لا يُقهَر، فهذا الجيش لم يعد قادِراً حتى على حماية جنوده على الشريط الحدودي، فكيف بحماية أصدقائه العرب وحلفائه الأطلسيين، وبالمثل كذلك قطاع غزَّة وصموده الأسطوري.

قوى صغيرة في حسابات الدول ترسم قواعد اشتباك جديدة مع أكبر ترسانات الأسلحة الأطلسية، وتؤسِّس لشرق أوسطٍ جديدٍ غير الشرق الذي رسمه بيريز ونتنياهو.

والمهم في كل ذلك، ليس فقط كَسْر قواعد الإشتباك العسكرية، بين مارون الراس شمالاً ونجران جنوباً، مروراً بغزَّة، بل كَسْر قواعد الإشتباك الإستراتيجية التي قامت عليها خارطة الشرق برمَّته وخاصة قاعدة (النفط والغاز) وقاعدة الثكنة الصهيونية، كذراعٍ ضارِبة للإمبريالية العالمية وحارِسةٍ للرجعية العربية.

إلى ذلك، فإن الجانب الآخر من أحجار الدومينو الأميركي التي يتوالى سقوطها، هو الجانب الذي يتعلَّق بالقوى التي برزت خلال ما يُسمَّى بالربيع العربي، ولم تكن سوى مناخات الفوضى التي لم تُبقِ ولم تَذَر.

فعلى مدار سنوات الفوضى الأخيرة تشكَّل تحالف غريب بين جماعات الإسلام الأميركي، الناعِم والخشِن، وبين أوساط ليبرالية وجماعاتٍ من الشباب الشبكاتي الذين خضع كثيرون منهم لدورات تدريب برتقالية، خاصة في معهد الاوتبور وكتبه غير المُقدّسة (كتب بيتر أكرمان، وجين شارب وجورج سوروس) وتمكَّنت هذه الجماعات في غفلةٍ من الزمن ووسط احتقان جماهيري كبير ناجم عن الأوضاع المذكورة من دَفْعِ عددٍ من رموزه الإسلاموية والليبرالية إلى سدَّة السلطة، فماذا كانت النتيجة.

مقابل مئات القتلى في انقلابات العسكر بكل تيّاراتهم، في عقود الخمسينات والستينات من القرن الماضي، فقد تسببَّت فوضى الليبراليين الجُدُد وشباب الاوتبور والإسلام الأميركي في مقتل وتشريد الملايين فضلاً عن الإفلاس العام وانهيار الطبقة الوسطى وتدمير البنى التحتية في البلدان المنكوبة.

وها هم يتوارون ويغادرون مسرح الأحداث إلى غير رجعة، وما يبعث على الدَهشة فعلاً كيف تمكَّنوا من استلام السلطة في تونس مثلاً (تحالف النهضة والليبراليين والمحافظين القُدامى) باسم صناديق الإقتراع المدعوم بأموال النفط والغاز والفرانكفونية، في حين فشلوا مجتمعين في أول انتخابات ديموقراطية حقيقية، كما فشل نموذجهم في تركيا نفسها في انتزاع بلدية واحدة من البلديات الكُبرى بما فيها إسطنبول، ومن المُرجَّح أن يُغادِر هذا النموذج المسرح التركي في أول انتخابات برلمانية ورئاسية قادمة.

أيضاً، وكما سقط نموذج إسلاموي أميركي آخر هو حُكم البشير في السودان بعد أن أهدى نصف البلاد للإنفصاليين المرتبطين بالعدو الصهيوني وعاث في السودان قمعاً وفساداً، ها هي حكومة الليبراليين في الأردن، تُعيدنا إلى أجواء الأحكام العرفية وتفتح باب المحاكمات أمام المعلمين وتوقف الناشطين في السجون ومخافر الشرطة كلما تجرَّأ أحدهم على فتح هذا الملف أو ذاك من ملفات الفساد.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً