نصف الحقيقة في مبدأ أوباما

صبحي غندور

كاتب سياسي ومدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن
المواقف المنقولة عن الرئيس أوباما ليست مجرّد تصريحات فقط، بل كان توقيتها هاماّ لجهة تزامنها مع بدء مفاوضات جنيف بشأن الأزمة السورية، والتي تُعوّل الإدارة الأميركية على نجاحها الكثير، لاعتبار أنّ تسوية الأزمة الدموية السورية هي المدخل لإنهاء أزماتٍ أخرى في المنطقة.
المواقف المنقولة عن الرئيس أوباما ليست مجرّد تصريحات فقط
المواقف المنقولة عن الرئيس أوباما ليست مجرّد تصريحات فقط
 يمكن اختصار وصف "مبدأ أوباما"، الذي نشرته مجلة "أطلنتيك" الأميركية، بأنّه حديثٌ لتبرير الماضي وتعزيز الحاضر والتمهيد للمستقبل. فقد كان واضحاً في المواقف التي نقلها الصحافي جيفري غولدبرج عن الرئيس الأميركي هذا المزيج من الدفاع عن سياسة سارت عليها إدارة أوباما في سنواتها السبع الماضية، مع السعي أيضاً لتوظيف هذه المواقف في التحرّك الأميركي الراهن لمعالجة أزماتٍ متفجّرة في "الشرق الأوسط"، إضافةً طبعاً إلى ما يطمح إليه أي رئيس أميركي يغادر "البيت الأبيض" من تكريم مستقبلي وتمجيد لدوره في قيادة القوّة الأعظم في العالم.

لكن المواقف المنقولة عن الرئيس أوباما ليست مجرّد تصريحات فقط، بل كان توقيتها هاماّ لجهة تزامنها مع بدء مفاوضات جنيف بشأن الأزمة السورية، والتي تُعوّل الإدارة الأميركية على نجاحها الكثير، لاعتبار أنّ تسوية الأزمة الدموية السورية هي المدخل لإنهاء أزماتٍ أخرى في المنطقة. أيضاً، فإنّ التنسيق الأميركي-الروسي بشأن سوريا، ومستقبل العلاقة الأميركية مع إيران، سيكون المحكّ لهما هو مدى التقدّم الذي سيحصل في مؤتمر جنيف وما بعده.

إنّها أشهرٌ قليلة باقية من فترة حكم أوباما في "البيت الأبيض"، وهو لن يسمح بأن تكون أشهراً عقيمة أو مجرّد وقتٍ ضائع بانتظار انتخابات نوفمبر القادم. وفي تقديري أنّ هذه الأشهر ستكون هي الأهمّ في السياسة الخارجية لإدارة أوباما، من حيث مقدار الحصاد السياسي الأميركي من إنهاء الأزمات الدولية المتفجّرة، أو لناحية كيفية "توزيع الحصص" مع روسيا الاتحادية، أو لجهة ترسيخ أسس العلاقة المستقبلية مع إيران، بعد الاتفاق الدولي معها حول ملفّها النووي.

لذلك، فإنّ النجاح في المفاوضات السورية بجنيف سيعطي دفعاً كبيراً لمواجهة أشمل وأكبر، تريدها إدارة أوباما هذا العام، مع "داعش" في سوريا والعراق وليبيا، ومع "القاعدة" في اليمن وأفريقيا، وسيترتّب عليها (أي المواجهة)، وعلى البدء بتسوية الأزمة السورية، تسوياتٌ سياسية أيضاً لأوضاع العراق ولبنان واليمن وليبيا، وبشكلٍ متزامن مع تحرّك أميركي- فرنسي مشترك تدعمه موسكو، لإعادة الملف الفلسطيني إلى رعايةٍ دولية بعد احتكاره من قِبَل واشنطن لسنواتٍ طويلة.

لكنّ مشكلة إدارة أوباما، في أجندتها الدولية الآن، هي مع حلفاء لها أكثر ممّا هي مع خصومها التقليديين في موسكو وطهران، لذلك كانت انتقادات أوباما قاسية لهؤلاء الحلفاء في حديثه مع مجلة "أطلنتيك"، انتقادات ركّزت على السعودية وتركيا وبريطانيا وفرنسا وحكومة نتنياهو، وهي الدول المعنيّة أيضاً في الأزمات التي تتفاهم واشنطن مع موسكو بشأنها، لكنّها لا تجد لها تأييداً واضحاً من هؤلاء الحلفاء.

وما قاله أوباما عن هذه الدول الحليفة لواشنطن كان وصفاً لواقع لا يمكن نكرانه، لكن الحديث عن مسؤولية هذه الدول هو نصف الحقيقة. فما فعلته بريطانيا وفرنسا في ليبيا كان مدعوماً من الإدارة الأميركية، التي تدرك أجهزة مخابراتها أنّ عسكرة الحراك الشعبي، الذي حصل فيها ضدّ نظام القذافي، سيعني فتح أبواب جهنّم الميليشيات القبلية وجماعات التطرّف والإرهاب، لبلدٍ لم تكن فيه أيّ ممارسة صحّية للعمل الحزبي المعارض، ولا فاعلية فيه لمؤسسات الدولة أو المجتمع المدني، فكيف إذا أرفقت عسكرة الانتفاضة الشعبية الليبية بتدخّل عسكري سافر من "حلف الناتو"، الذي يوقظ في الذاكرة الليبية حقبة الاستعمار الإيطالي والكفاح الليبي الطويل ضدّه؟!.

ثمّ ما الذي فعلته واشنطن لضمان عدم انجرار ليبيا إلى الحرب الأهلية وتحوّلها إلى نقطة جذب لجماعات التطرّف، ما دامت الولايات المتحدة قد اعترضت على أي تدخّل عسكري إقليمي، ولا سيما من مصر، لوقف تداعيات الحرب الداخلية في ليبيا؟!.

أمّا بشأن تركيا فكل ما قاله الرئيس أوباما عنها صحيحٌ ، وما وصف به رئيسها أردوغان، لكن، ألم تكن واشنطن هي التي شجّعت تركيا على التدخّل الواسع في الأزمة السورية، وراهنت معها على تغيير النظام السوري في أشهر قليلة، وعلى تسهيل وصول حركة "الإخوان المسلمين" للحكم في عدّة دول عربية؟!. كذلك كان الموقف الأميركي مشجّعاً لتسليح جماعات المعارضة السورية عن طريق تركيا، والتي فتحت حدودها لكلّ الراغبين بالقتال في سوريا من مختلف جنسيات العالم!. أليست خطيئة عسكرة الحراك الشعبي المترافق مع التدخل الأجنبي هي التي ميّزت ما حدث ويحدث في ليبيا وسوريا من فشل للانتفاضات الشعبية بالمقارنة مع نجاح التجربتين السلميتين التونسية والمصرية؟!.  

ثمّ صحيحٌ أيضاً ما جرى نقله عن الرئيس أوباما حول مخاطر دعم المملكة العربية السعودية لنشر الفكر الوهابي في دول العالم الإسلامي، وسلبيات صراعاتها مع إيران، لكن ألم تكن تلك الصراعات موضع ترحيب من واشنطن قبل الاتفاق الدولي مع طهران؟!. أليست واشنطن مسؤولةً عن وجود ظاهرة "المجاهدين الأفغان" بدعم سعودي وهابي، التي خرج منها "تنظيم القاعدة"، ثمّ من "القاعدة" ولدت "داعش"؟!. أليست واشنطن هي التي هندست الحرب العراقية – الإيرانية، وضغطت على السعودية ودول الخليج العربي من أجل دعم صدام حسين في حربه ضدّ إيران، هذه الحرب التي أضعفت البلدين وأشعلت شرارات الانقسامات المذهبية والقومية، حيث استغلّت أطرافٌ عربية وإيرانية الحرب لتحريك الخصومات على أساس عربي-فارسي أو سنّي-شيعي؟!.

ثمّ أليست الولايات المتحدة هي التي احتلّت العراق ودمّرت مؤسساته الوطنية، بحيث تحوّل الفراغ بعد ذلك إلى مجمعٍ لكلّ القوى التي أرادت مواجهة أميركا أو الاستفادة من وجودها العسكري هناك، فإذا بالعراق ساحة تنافس جديدة بين إيران وخصومها، في ظلّ انتشار ظاهرة الميليشيات على أساس مذهبي وإثني، وبدعم من الحاكم الأميركي للعراق آنذاك بول بريمر، وتكريس هذه السياسة بدستور ثبّت الواقع الإنقسامي!.

أيضاً، من الذي نصح القيادة السعودية منذ العام 2006، حينما اشتدّت عمليات "القاعدة" داخل المملكة، بتسعير الخلافات مع إيران وحلفائها بالمنطقة، من أجل تحصين الوضع الداخلي السعودي عبر طغيان الصراع المذهبي والقومي الذي يستقطب الناس خلف الحاكم، بدلاً من الصراع الداخلي السياسي والفقهي مع "القاعدة" ومؤيّديها؟!. ألم تستفد إيران أيضاً من التعامل معها وكأنّها مسؤولة عن كلّ المسلمين الشيعة في العالم ممّا عزّز الخلافات بينها وبين عدّة دول عربية؟!.

أمّا عن حكومة نتياهو، فما الذي فعلته إدارة أوباما لفرض رؤيتها لحلّ الدولتين أو وقف الإستيطان، ولماذا لم تستخدم الحدّ الأدنى من الضغط المالي على إسرائيل كما فعل جورج بوش الأب في مطلع التسعينات؟!. ولماذا استطاع أوباما أن يفرض الاتفاق مع إيران بالرغم من اعتراضات نتنياهو ولم يفعل ذلك في الملف الفلسطيني؟!.


تساؤلات عديدة حول المواقف الأميركية التي أعلنها أوباما في حديثه، لكنّ المهمّ هو رؤية الحقيقة كاملة، فلا يكون الأمر مجرّد تأييد لما ورد في مجلة "أطلنتيك"، أو رفضه وإدانته فقط من موقع الدفاع عمّن انتقدهم الرئيس الأميركي.

"مبدأ أوباما" سيذكره التاريخ، كما ذكر في السابق "مبدأ أيزنهاور"، لكن المبادئ تحتاج إلى إستراتيجيات وتكتيكات ناجحة، ويبدو أن التاريخ سيقول أيضاً إنّه لولا "تكتيك بوتين" لما كانت هناك فاعلية ل"مبدأ أوباما". 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً