في نقد حرب الأفكار الإعلامية لترويج "النصرة"

حياة الحويك عطية

أكاديمية وكاتبة لبنانية، تحمل شهادة دكتوراه في علوم الاتصال الجماهيري والإعلام ودبلوم دراسات معمقة في الميديا والملتيميدا من جامعة باريس الثانية. لديها العديد من المؤلفات والأبحاث في المجال الإعلامي.
من أول حوار مع الجولاني على قناة "الجزيرة" أجراها تيسير علوني عام 2013، إلى حواره الأهم مع أحمد منصور عام 2015 حيث ظهر وجه الجولاني على الشاشة تمهيداً لتغيير اسمها إلى فتح الشام عام 2016، تتصاعد الآليات الإعلامية التي تقودها دول وقوى إقليمية لتأهيل تنظيم القاعدة.
وقد لا تكون محاولة تأهيل النصرة محصورة بالحرب الحالية في سوريا، بل تتعداها إلى مرحلة ما بعد الحرب
وقد لا تكون محاولة تأهيل النصرة محصورة بالحرب الحالية في سوريا، بل تتعداها إلى مرحلة ما بعد الحرب
من أول حوار مع الجولاني على قناة "الجزيرة" أجراها تيسير علوني عام 2013، إلى حواره الأهم مع أحمد منصور عام 2015 حيث ظهر وجه الجولاني على الشاشة تمهيداً لتغيير اسمها إلى فتح الشام عام 2016، تتصاعد الآليات الإعلامية التي تقودها دول وقوى إقليمية لتأهيل تنظيم القاعدة. والأمر يعني فعلياً حجز مقعد وحصّة لمن يقف وراءه. وقد لا تكون محاولة تأهيل النصرة محصورة بالحرب الحالية في سوريا، بل تتعداها إلى مرحلة ما بعد الحرب وما يمكن أن تحمله من منظومات قِيَم ومفاهيم قد لا يقل بعضها خطورة عن الحرب، وحول شبكة المصالح الاقليمية والدولية في سوريا. وهي أسئلة قد تؤسّس للمتابعة الإعلامية للإجابة عليها.

المحاور الأول ابن دير الزور كان أول من قابل أسامة بن لادن، ليذهب الشريط إلى المخابرات الأميركية فتحتفظ به حتى تسمح ببثه في الوقت المناسب. وقد أثار الحدث جدلاً إعلامياً وسياسياً في حينه ( عالجته بالتفصيل في كتابي : الفضائيات العربية بين عولمتين) . وهو أيضاً أول من قابل الجولاني وتم توقيت البث قبل مؤتمر جنيف 2 ، عندما كانت عملية عضّ الأصابع على أشدّها لحجز الأدوار على الطاولة .

يومها كانت قطر تريد مكانها بين كراسي المعارضة إلى جانب السعودية وتركيا. والأميركيون كانوا يريدون رفع منسوب حصتهم. وكلهم يتنازعون صفاً واحداً بينما تتربّع روسيا وإيران والدولة السورية بأمان وتنسيق على الجهة الأخرى من الطاولة. غير أن سيرغي لافروف لا يكتفي بحصّته بل يعمل بشكل حثيث على التمدّد إلى تقاسم الجهة الأخرى من الطاولة ويصرّح بأنه على تواصل مع أطراف من المعارضة. إنها ببساطة حسبة صغيرة: نصف محسوم أمره ونصف آخر يتنازع عليه الجميع. وذاك ما يزيد من حدّة الصراع بدءاً من ساحة السلاح والتفجيرات الإرهابية إلى ساحة الإعلام ومنه القنوات الفضائية. هذا الوضع لم يتغيّر إلا باتجاه الحصص، بدءاً من حصّة الدولة السورية في سيادتها على أرضها إلى حصّة الروس والأتراك في التنسيق الجديد الذي أفرز بوضوح الجماعات التي تسيطر عليها أنقرة وقلّص حجم المشغّلين الآخرين. وقد يبلور أكثر فأكثر الأسئلة حول المستقبل.

المحاور الثاني جاء دوره العام 2015 إذ حملت مقابلته مع الجولاني عدداً من الرسائل تستحق العودة إليها للتذكير وللتساؤل عما تبقّى منها للحاضر. في البدء هو الإطار العام للصورة: المكان الدمشقي الأصيل بكل تفاصيله وعلَم النصرة على طاولة الوسط، والكرسي المرصّع الذي قيل يومها إنه كان لمحافظ إدلب ما يشير إلى"السلطة ". 

انتقالاً إلى الجولاني كما يظهر في الصورة: اليدان الناعمتان المترفتان اللتان لا تشيان بأكثر مما قالته أسوشيتد بريس: تسعة وثلاثون عاماً، تركيز الكاميرا على صدرية الساتان المطرّزة والشروال وغطاء الرأس الأسود: الزيّ التقليدي الذي رأيناه في كل مسلسلات النضال السوري ضدّ الفرنسيين، وحتى في باب الحارة. غياب الوجه (صورة الرجل بكل حالاته منشورة على غوغل). لماذا؟ ذاك ما يفسّره علم سيميولوجيا الإعلام: غياب الوجه يؤدّي إلى خلق حال التماهي عبر اقتران صورة مجهول الهوية الفردية بالصورة النمطية الكامنة في اللاوعي الجمعي. وكل مشاهد يشعر أنه شامي وكل شامي يشعر أنه هو. وذاك تأثير سياسي سيكولوجي ورسالة أولى بأن جبهة النصرة من السوريين لا من الأجانب ولها الحق إذن في تقرير مصير البلد وهي تمثّل شعبه. على الرغم من أن كلمة سوريا لم ترد مرة واحدة في الحوار ما يحمل دلالة خطيرة تفسّرها الرسالة الثانية.

الرسالة الثانية بحسب تسلسل الحوار هي حديث استفزازي عن " النصيرية " و " العلويين " يعتمد على أمرين: الأول تكفيرهم والثاني تهديدهم واستفزازهم بأقصى ما يمكن تداوله من طرف المذيع الذي كان يملي ويعلن ولا يسأل وبين المتحدث. لماذا؟ أمجرّد حقد؟ أم هو خطر عسكري فعلي؟ لا فالأمر سياسي أبعد من ذلك. (منذ أسبوعين بثّت البي بي سي برنامجاً مطولاً عن العلويين). هي خطّة لدفع هذا المكوّن السوري إلى بدء القبول بالانفصال كما الإرهابيين التكفيريين على قاعدة اشتمك وأهينك، أكفّرك، أهدّدك وأخيفك، فتنعزل.

 يقول المحاور "أنتم أصبحتم على حدود مناطق النصيرية على بعد 30 كلم عن القرداحة، عاصمة العلويين وآل الأسد وقبر حافظ الأسد"... عاصمة ؟؟؟؟

الرجل المجهول الوجه يقول: "النصيرية محل دعوة ...أرسلنا إليهم من يصحّح عقائدهم"، ثم يهدّد. لكن المحاور يعود للتأكيد:"أنت الآن ترسل هذه الرسالة إلى العلويين وكل قرية على حدة". ثم يعود ليكرّر:" نعتبر ذلك إعلاناً رسمياً من قبلكم إلى كل قرية وكل امرأة وكل رجل من العلويين".

الرسالة الثالثة بشأن الحل السياسي: فالمحاور يعلن وهو يشدّ على مخارج حروفه بشكل مبالغ: "أنتم لن تشاركوا ولن تساهموا في أي لقاء دولي للحل السياسي في أي مكان"

الرسالة الرابعة هي لطمانة الأوروببين (في وقت الحاجة إلى دعمهم): الرجل يتحدّث عن توجيهات الدكتور أيمن الظواهري – حفظه الله كما يقول – بعدم التعرّض لأوروبا. لكن المحاور يلخّص الرسالة قائلاً:" هي استراتيجية قاصرة على الشام."

الرسالة الخامسة هي تحسين صورة النصرة: الرجل يُسهب في الحديث عن التكفير مُقرّاً بفرض ما يسمّيه تصحيحاً للدين على الدروز ، وفرض الجزية على المسيحي. أما المسلم فإن تكفيره يحتاج إلى فتوى من أي شيخ. والمحاور يصوّب" أنتم لا تكفّرون إلاّ بما نصّ عليه الشرع فلماذا يصفونكم بالإرهابيين؟... فمرجعكم الفقهي دفع المصائب ...ولا تقاتلون مَن لا يقاتلكم ...أنتم لم تسرقوا ولم تخرّبوا..." ثم ينتقل إلى نقل تقرير إخباري ميداني مفاده "خلال جولاتي في المناطق التي تسيطرون عليها – يتحوّل إلى شاهد عيان – رأيت أن كل شيء متوافر وأن الناس لا يدفعون ضرائب ولا ماء ولا كهرباء.  يعيشون بأمان باستثناء البراميل...

  

  في عام 2016 حدثت مُتغيرات كثيرة على الأرض وعلى الساحتين الاقليمية والدولية أطاحت بمراهنات دول إقليمية لتأهيل النصرة. لكن هذه المتغيرات على الأرض. أما في الرؤوس فربما لا تستطيع هذه المتغيرات أن تغيّر أمرين أساسيين هما: مضمون الفكر الذي عبّرت عنه من مخزون الحقد الذي يفوح منه، والحلم الاستراتيجي البشع بتقسيم سوريا و(حتى لبنان) عبر الشحن الدموي المذهبي فيما يلتقي كلياً مع الحلم الإسرائيلي. وما يبقى في الرؤوس احتاج للكثير من الدم والتضحيات والآلام لمنع وجوده على الأرض. ولا يجوز إجهاض هذا الإنجاز التاريخي بمنح فرصة تمرير الإرهاب الفكري عبر الحل السياسي بعد فشل تمريره بالدمار. خاصة أن المرحلة المقبلة ستكون من دون شك مرحلة حرب الأفكار، التي لا تقل شراسة وتخريباً عن حرب النار.  

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً