تفتيت الدول عبء على المنطقة وعلى الكرد أنفسهم

موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني
في غمرة انخراط جاليات يهودية في الثورات العالمية على مدار القرن التاسع عشر، كانت الدول القومية البرجوازية في أوروبا تنغلق أمامهم. واكتشفت مطابخ هذه الدول أن أفضل طريقة للتخلّص من المسألة اليهودية كما عُرفت حقوق اليهود في أوروبا ،هو تحويل المسألة اليهودية إلى ثورة مضادّة ليس في الغرب بل في الشرق الأوسط.
لا يجوز مقاربة المسألة الكردية على نحو مُطلق. فالجسم الحيوي من الأكراد السوريين هو جزء من الحياة السورية وتاريخها
لا يجوز مقاربة المسألة الكردية على نحو مُطلق. فالجسم الحيوي من الأكراد السوريين هو جزء من الحياة السورية وتاريخها
هكذا ولدت الصهيونية الأولى، الصهيونية المسيحية، التي راحت تحدب على اليهود وتفتّش لهم عن وطن موعود مزعوم، ليكون هذا الوطن أداة و"بافرستيت" عازل لمنع العرب من نهضة قومية تربط ضفتي السويس،شرقاً وغرباً، على حدّ تعبير السياسي البريطاني "كامبل بنرمان".


على هذا النحو كانت العقود الأولى من القرن العشرين التي ترافقت مع تمزيق بلاد الشام والعراق إلى أشلاء سياسية.

اليوم، ومع انتهاء عقود سايكس بيكو والاستقصاءات الأطلسية لبدائلها على إيقاع استحقاقات تجديد المتروبولات الرأسمالية العالمية لمصالحها في هذا الشرق، فإن لعبة الكانتونات الطائفية الدموية وأدواتها تتزامن مع عطف أطلسي على كرد المنطقة الذين انخرط قسم واسع منهم في ثورات الشرق على مدار القرن العشرين، كما انخرطت الجاليات اليهودية في ثورات الغرب على مدار القرن التاسع عشر.

وليس بلا معنى أن تستقطب الحركة اليسارية في سوريا والعراق وتركيا، وقبلها في مهاباد الإيرانية، أوساطاً كردية واسعة بالإضافة إلى دور الكرد في الانقلابات العسكرية المُبكرة في العراق وسوريا.

ومن المؤسف أن هذا المخزون الثوري للكرد أصبح في قبضة المتروبولات الرأسمالية وأقلام المخابرات فيها.  وراحت حصّة و مساحة الأصوات الكردية النضالية المندمجة في حركة التحرّر تضيق يوماً بعد يوم.

ولم يكن ذلك كله من دون تاريخ أو مقدّمات تجري مُقاربتها وإعادة إنتاجها على نحو يحوّل الحقوق الكردية، سواء كانت سياسية أم ثقافية في هذه الرقعة أو تلك، إلى عبء على المنطقة كما على الكرد أنفسهم .

ولا يقتصر الأمر على قوة دون سواها بل يشملها جميعها، العربية مثل سوريا والعراق، وغير العربية مثل إيران وتركيا. وذلك بما يجعل الكيان الصهيوني القوة الاقليمية الرئيسية وبما يحوّل الكرد إلى قواطع، أو بافرستيتات عازلة تشبه البافرستيت الصهيوني. وربما يُراد لها أن تكون بديلاً للبافرستيت الداعشي في البادية السورية والعراقية.

وليس بلا معنى أن يناقش مؤتمر هرتسيليا الصهيوني، أكثر من مرة، تطوير العلاقات مع أوساط في كردستان العراق إلى أشكال من الكونفدرالية المشرقية تضم الأردن أيضاً وكذلك إحياء خط كركوك – حيفا.

هكذا، بدأنا نسمع كلاماً جديداً في الأروقة الأمريكية والأوروبية عن مراجعة اتفاقية "سيفر" التي ألغتها اتفاقية "لوزان"، وهما اتفاقيتان من نتائج الحرب العالمية الأولى لوراثة التركة العثمانية.

ففي الأولى منح الكرد وغيرهم حقوقاً واسعة، وفي الثانية شطبت هذه الحقوق بعد أن نجح أتاتورك بدعم الثورة الروسية في خلق واقع سياسي جديد.

ولو دقّقنا في المسودّة الروسية المُقترحة لتعديل الدستور السوري، لوجدنا ما هو مُطابِق تماماً في ما يخصّ التأكيد على الهوية الكردية، كما في الدستور العراقي الجديد مقابل شطب الهوية العربية للدولة السورية. وفي التعليق على ذلك:

1-   لا يجوز مقاربة المسألة الكردية على نحو مُطلق. فالجسم الحيوي من الكرد السوريين هو جزء من الحياة السورية وتاريخها. ولا يجوز هنا خلط المطالب الثقافية والديموقراطية بالدعوات القومية التي تلائم الكرد في الحال التركية مثلاً. وذلك من حيث العدد والمساحة الجغرافية المتّصلة، ومن حيث الحق التاريخي في تقرير المصير القومي.  ويشار هنا إلى أن الكرد الأتراك وخاصة حزب العمال الكردستاني احتفظوا في الغالب الأعم بسمات تحرّرية.

 

2-   وفي كل الأحوال فإن انخراط الكرد في حركة تحرّر شعوب المنطقة والكفاح جنباً إلى جنب معها، هو الخيار التاريخي لبناء شرق ديموقراطي مُتّحد جديد في مواجهة العدو الإمبريالي – الصهيوني  المشترك.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً