الإنتفاضة في الطريق الصحيح

مُعز كرّاجة

كاتب فلسطيني
مازالت العمليات الفردية التي ينفّذها شباب فلسطينيون من وقت إلى آخر في الضفة الغربية والقدس وأراضي 48، لم توضع بعد في سياق تحليلي شامل يساعدنا على فهم دلالاتها ودورها في المشهد السياسي القائم ومآلاته المستقبلة. خاصة وأن هذه العمليات وإن كانت متقطّعة فهي في تطوّر مستمر.
أهمية هذه العمليات التي ينفّذها أفراد بقرار وتخطيط فردي مُستقل، لا تكمن على الإطلاق في مدى قدرتها على إيقاع خسائر بشرية ومادية في صفوف الاحتلال
أهمية هذه العمليات التي ينفّذها أفراد بقرار وتخطيط فردي مُستقل، لا تكمن على الإطلاق في مدى قدرتها على إيقاع خسائر بشرية ومادية في صفوف الاحتلال
أطلق الاحتلال على مَن ينفّذ هذه العمليات فور ظهورها مُسمّى " الذئاب المنفردة" ، واضعاً لها تقديراً أمنياً فحواه: أنه وإن كانت تشكّل تحدياً استخباراتياً، إذ من الصعب التكهّن بوقوعها أو توقّع منفّذها مسبقاً، لأنه لا يتوافر فيها رأس الخيط الذي يتوافر عادة في العمليات المنظّمة التي يقف خلفها تنظيم سياسي، إلا أنها تبقى عمليات فردية عابرة لا تؤثر في السياق السياسي و " الأمني" المستقر منذ سنوات. وفلسطينياً فقد أثارت هذه العمليات نقاشاً حول إن كنا على مشارف انتفاضة ثالثة أم لا. ودخل الشارع الفلسطيني في حال مد وجزر وفقاً لكثافتها ونوعيّتها. فعملية الدهس مثلاً التي نفّذها الشهيد أحمد القنبر في القدس الشهر الماضي والتي قتل فيها أربعة جنود إسرائيليين، استقطبت اهتماماً واسعاً بين الفلسطينيين، على عكس عمليات أخرى لم توقع قتلى.


ولكن أهمية هذه العمليات التي ينفّذها أفراد بقرار وتخطيط فردي مُستقل، لا تكمن على الإطلاق في مدى قدرتها على إيقاع خسائر بشرية ومادية في صفوف الاحتلال، وإنما تكمن أولاً في كونها مازالت محافظة على استمراريتها منذ ثلاث سنوات على الأقل، وأساليبها تتطوّر. فقد ظهرت بشكل أساسي بُعيد العدوان المدمّر على قطاع غزّة عام 2014. وفي الأشهر الأخيرة من عام 2015 ازدادت زخماً حتى بدأت تشكّل " ظاهرة نضالية جديدة. وهذا ما بدأ يُقلق الاحتلال بعد أن كان تقدير أذرعه الأمنية الأولي أنها لا تشكّل خطراً استراتيجياً. نقلت الإذاعة الإسرائيلية قبل أيام عن جهاز " الشاباك" قوله إن شهر كانون الثاني من هذا العام شهد ارتفاعاً في عدد العمليات الفردية مقارنة بالأشهر الأخيرة من العام الماضي.


والأهمية الثانية لهذه الظاهرة النضالية، مرتبطة بطبيعة السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي بدأ يترسّخ تحديداّ بدءاً من عام 2007. فبعد الانقسام الفلسطيني الداخلي، يبدو وكأنه اتخذ قرار دولي بخلق نموذج سوسيو-اقتصادي جديد في الضفة الغربية مستنداً للسياسات النيوليبرالية والتي نفّذها رئيس الوزراء السابق سلام فياض. حيث شهدت السنوات الثلاث بين 2007-2010 تدفقاً غير مسبوق لأموال الدعم الدولي، وانتشرت " ثقافة القروض" وسادت حال من " الاستقرار السياسي" والأمل بانتعاش اقتصادي. وهي الحال التي شكّلت رأياً عاماً برفض كل ما يزعزع هذا الاستقرار.


ولكن من الواضح  اليوم أن توجّهات الرأي العام هذه لم تعد كما كانت. هنالك تحوّلات جوهرية منبعها الإدراك الجديد لأثر هذه السياسات. أصبح المواطن البسيط الآن قادراً على رؤية وجه النيوليبرالية الذي لم يره قبل سنوات، متمثلاً في الغنى السريع مقابل الإفقار السريع وفي سيطرة الهموم المعيشية والغرق في الديون وحديث الشباب الكثير عن الطبقية وشعوره بالظلم ...الخ. وهي واحدة من عوامل عدّة تُفسّر عجز الشارع في الضفة الغربية أمام عدوان 2014 على القطاع. تضخّمت آنذاك التعبيرات الوجدانية عن " التضامن" مع الغزّيين، كرفع شعار " كلنا غزّة"، لكن من دون أن يكون لهذا الشعار أية ترجمة عملية. من دون أن يتحوّل من شعار إلى اصطدام واسع، أو لنقل انتفاضة بالمعنى الكلاسيكي لهذا المفهوم. عاش الشارع عجزاً استبطنه على شكل غضب وقهر، فقد بات مدركاً تماماً لما حلّ به.


لذلك، نبالغ في التبسيط إذا حصرنا تفسير السلوك السياسي للشارع بثنائية: قابل بالواقع الذي يعيشه أو رافض له. وإنما هو سلوك مُركّب ضمن شبكة معقدّة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والوطنية. لا نجازف إذا قلنا بأن انقسام الشارع التقليدي بين مؤيّد للمشروع السياسي الذي تمثله السلطة الفلسطينية  ومعارض قد حُسم لصالح الطرف الثاني. وهو لم يحسَم نظرياً وإنما من واقع التجربة والاختبار. ولكن هذا الحسم والإدراك لا يقود بالضرورة إلى بديل سريع وجاهز. فالبنية السياسية والاقتصادية والأمنية متجذّرة في حياة الناس، ومصالحهم متداخلة ومتشابكة. وإلا بماذا يمكن أن نُفسّر إقدام عضو في " جهاز أمني فلسطيني" على تنفيذ عملية  إطلاق نار على حاجز عسكري إسرائيلي بقرار فردي مستقل؟ كيف يمكن أن نربط بين السلوك الذي أقدم عليه والوظيفة التي يحتلها؟


هذا يعني أن الشارع الفلسطيني ورغم حياته التي تبدو وكأنها تسير برتابة، بات على مفترق طرق أو لنقل أمام مرحلة جديدة. وهذه العمليات التي ينفّذها على " عاتقه الشخصي" هي انتفاضة بكل معنى الكلمة، ولكنها ليست انتفاضة بالمفهوم الكلاسيكي. الانتفاضة الكلاسيكية كانت ممكنة عندما كانت العلاقة بين أفراد وشرائح المجتمع ميكانيكية وحين كان هنالك مشروع وطني وبنية حزبية وتنظيمية فاعلة. كل هذا قد غاب اليوم. النضال الفردي هو وعي وطني فطري أو لنقل أسلوباً فرضته طبيعة المرحلة. هذا النمط النضالي يشترك فيه الطالب والعامل والمتعلّم والمرأة وربّ الأسرة. هذا ما تبيّنه الخريطة الاجتماعية لمنفّذي العمليات على مدى السنوات الثلاث الماضية. ورغم أنهم يمثلون شرائح مجتمعية مختلفة إلا أن البنية الاقتصادية السائدة قد حوّلتهم إلى مجرّد أفراد. ونضالهم هذا هو أعلى درجات الرفض لهذه البنية وأثرها فيهم. إن العلاقة الآن طردية بين توحّش السياسات النيوليبرالية وبين توسّع الفعل النضالي، بعد أن كانت قبل سنوات قليلة علاقة عكسية. وبما أن النيوليبرالية لا يمكن إلا أن تتوسّع فبالتالي لا بدّ للنضال وأن يتوسّع أيضاً. إن السياسات الاقتصادية كما فتّتت المجتمع وحوّلته إلى طبقات وأفراد مختلفين ومتناقضين في مصالحهم، هي التي ستُعيده من جديد إلى مجتمع متجانس في فقره ونضاله. لذلك فإن القراءة الموضوعية للواقع اليوم تقول بأن الانتفاضة تسير في طريقها الصحيح وإن بدا لنا ظاهرياً غير ذلك. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً