الأثمان الخفيّة للحرب على سوريا

بثينة شعبان

مفكرة عربية
قالت مايا ذات الثمانية أعوام لأختها فرح ذات الأعوام الستة، هل علمت أن أخانا سعد بدأ يمشي ويحكي؟ سعد ذو العام الواحد الذي غادرتاه منذ عدة أسابيع فقط هو الآن في بيت عمته. بينما انضمت الطفلتان إلى أسرة بنات الشهداء، ومن شوقهما لأخيهما الصغير بدأتا تحلمان بأنه يمشي ويتكلم.
علينا نحن أيضاً أن نؤدي واجبنا من خلال مراجعة آليات عملنا
علينا نحن أيضاً أن نؤدي واجبنا من خلال مراجعة آليات عملنا
كم من آهات وأوجاع وأشواق ودموع الملايين في التيه السوري تريد أن تخترق آليات الاتصال الحديثة لتصل بحرارتها إلى الأهل والأحبّة والأصدقاء. ها هو عيد الأمّ يطلّ علينا ونسبة كبيرة من أمهات سوريا، إمّا أمهات شهداء أو جرحى أو أولاد غِبْنَ عن الساحة وعن الأهل وعن البلد لأسباب شتىّ. وهذا الحزن وهذه المعاناة غير محسوبَيْن في جداول المنظمات التي تدّعي الإنسانية، ولا تصنيف لهما في سجلاتها ودساتيرها. ولكنّ تفتيت عضد المجتمع السوري هو من دون شك أحد الأهداف الأساسية لهذه الحرب، وتكسير منظومة القيم والأخلاق التي كنّا نفاخر بها العالم هو هدف المجرمين، الذين خططوا ونفّذوا هذه الحرب المجرمة. لا شيء يحدث بالصدفة على الإطلاق، إذ إنّ كل هجوم إرهابي وكل معركة ضد أيّ هدف ينطلقان من تخطيط ورسم أهداف وابتغاء الوصول إلى نتائج معيّنة تصبّ في مصلحة الأعداء وتزيد من حجم المعاناة والآلام على هذه الأرض المقدّسة.

إذ كيف يمكن لأيّ دولة في هذا العالم أو أيّ منظمة أو أيّ إنسان أن يرفض إدانة القتل البشع للأبرياء في قصر العدل في دمشق؟ وكيف يمكن لأيّ أحد أن يبرّر من خلال صمته هذا التسويق الممنهج لثقافة الموت؟ أتذكرون حين ضرب أحدهم باصاً في تلّ أبيب وقتل بعض المدنيين كيف امتلأ الإعلام الغربي بصور الضحايا والدم المراق وقصص الأمهات والخطيبات والزوجات، وكيف أن أحدهم كان يستعدّ لإقامة عرسه، وكيف أنّ هذا الحادث المأساوي قد أسدل ستاراً أسود على قلوب عوائل بكلّ افرادها؟ ماذا نقول نحن اليوم وفي آخر جريمة نكراء في دمشق، ارتقى فيها أكثر من سبعة شباب محامين كانوا ذاهبين لمتابعة أعمالهم في قصر العدل ومتابعة قضايا الناس وهم كالورود في عزّ الشباب، فيأتي مجرم وهّابي مأجور ليعبث بحياتهم وحياة أهليهم وزوجاتهم وأطفالهم، ولينزع الفرح مرّة وإلى الأبد من قلوب محبيهم، ومع ذلك، لا نسمع إدانة من دول ولا من وسائل إعلام تدّعي أنها حضارية، وأنها حريصة على حقوق الإنسان وحقوق الشعوب. لقد انهارت الكذبة الكبرى والادّعاء بأن الغرب قيّم على المثل الإنسانية والحضارية، حيث اكتشفنا للمرة الألف كُنه العنصرية البغيضة الجاثمة في أعماق كل أعمال الغرب وتصرفاته، إذ نادراً ما يدين الغرب قتل طفل فلسطيني أو عربي على أيدي الصهيونية، أو على أيدي الإرهابيين لأن حياة مواطن من بلادنا لا تساوي أبداً حياة مواطن من بلدانهم، ولأن الحقوق والمساواة والحرية والديمقراطية هي حصراً لبلدانهم. أما بلداننا نحن، فلتفتك بها عواصف الإرهاب والعدوان، وليتعّرض سبعة ملايين إنسان للجوع في اليمن، ولْتُدمَّر حضارة العراق وسوريا واليمن عن بكرة أبيها، ولتُنهب آثار تدمر ونمرود، وليمزَّق العراق وليبيا والسودان، ولتفتَّت سوريا، فإن هذا كله يصبّ في صميم مخططاتهم للمنطقة، ويأتي تنفيذاً لكلّ الاستراتيجيات التي انبثقت عن عقول صهيونية تخطّط على مدى عقود للسيطرة على الفضاء الإقليمي برمّته. والمؤلم في الأمر أن هؤلاء يدمّرون بلداننا على أيد عربية، وأموال عربية نفطية وُضعت خدمة لخططهم الاسترتيجية، فأين خططنا نحن؟ وأين من يضع هذه الخطط في مواجهة خططهم؟ ويخلق لها السيناريوهات التنفيذية المناسبة؟ أوَليس من الغريب أن يقطع الإرهابيون المياه عن سبعة ملايين إنسان في مدينة دمشق لمدة شهر كامل، وهم يحتلوّن النبع ومحيطه، ومن ثمّ وبعد أن يبذل الجيش العربي السوري كلّ ما يملك ويقدم عشرات من الشهداء من أجل تحرير هذا النبع وإنقاذ حياة الملايين، أوَليس من المستغرب جداً أن تعمد بعد ذلك منظمات الأمم المتحدة إلى اتهام الحكومة السورية بقطع المياة عن مدينة دمشق!! إن هذه المنظمات التي تتناقل مثل هذه الأكاذيب غير جديرة بأن تكون مصدراً لأي خبر ذي قيمة وغير جديرة أن تُلحظ أخبارها في وسائل الإعلام.

على هؤلاء الذين يجلسون في بروجهم السياسية العالية أن يتذكروا حجم المعاناة والآلام التي يتسببون بها لشعوبنا وأهلينا، وعليهم وقبل كل شيء، أن يتذكروا أو أن يحاولوا أن يؤمنوا أن جميع البشر إخوة في الإنسانية، وأنّ حياة طفل فلسطيني أو سوري أو يمنيّ أو عراقي تساوي حياة طفل في لندن ونيويورك وباريس. وعلينا نحن أيضاً أن نؤدي واجبنا من خلال مراجعة آليات عملنا، والبحث عن الثغر التي سمحت للأعداء بالتمكّن من استهداف حياتنا وبلداننا ومجتمعاتنا. فمع كل القصص التي هي جديرة بأن تمثّل ملحمة لمعاناة العرب في هذه المرحلة التاريخية الصعبة من حياتهم، علينا أن نتعالى على الجراح، وأن ننطلق لنعمل ما يتعيّن علينا عمله كي لا تبقى ناصية أرضنا وبلداننا مكشوفة لمن يخطط لاستهدافنا.

في عيد الأم قبلة حارة لأمهات الشهداء والجرحى والأسرى والمخطوفين ولكلّ الأمهات الصامدات اللواتي قدّمن أولادهن جنوداً يحمون الأهل والوطن لأنهم وضعن الوطن فوق كل اعتبار، ولأنهن يحلمن بغد أفضل لأحفادهن. من أجل هؤلاء وأولئك علينا أن نكفكف دموعنا وأن نضمّد جراحنا وأن نعمل ونعمل ونعمل، ولكن وفق خطط منهجية مدروسة كي نكون أقوى وكي نثبت أننا جديرون بتضحياتهم وأننا جديرون بهذه الأرض الطاهرة التي ورثناها عن الآباء والأجداد، وأن ديارنا تزهو بنا وتزدهر وتخضرّ بعد قسوة الشتاء وجليده.

من خلال إرادتنا وتصميمنا وتخطيطنا الذكي والنوعي، يجب أن نضمن مجيء الربيع بعد هذا الشتاء العربي الدامي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً