مخاطر العودة إلى دبلوماسية البوارج

سميح صعب

صحافي لبناني متخصص بالشؤون العربية والدولية
الثابت الوحيد في الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو تقلبه. ففي أقل من مئة يوم على ولايته، إنقلب على الكثير من التعهدات التي أطلقها عندما كان يخوض حملته الإنتخابية. والرجل الذي بدا قبل دخوله البيت الأبيض أنه لن يكون رئيساً تدخلياً بعد رفعه شعار "أميركا أولاً"، أطلق فوهات بوارجه على سوريا وأرسل حاملة طائرات إلى شبه الجزيرة الكورية بينما وزير خارجيته ريكس تيلرسون الآتي من رئاسة شركة أكسون موبيل يهدد قائلاً "سنكرس أنفسنا مجدداً لمحاسبة كل من يرتكب جرائم ضد الأبرياء في أي مكان من العالم". فهل بعد هذا الكلام من شك في أن واشنطن متمسكة بلعب دور شرطي العالم.
مخاطر العودة إلى دبلوماسية البوارج
مخاطر العودة إلى دبلوماسية البوارج
لكن إلى أين يمكن أن تقود دبلوماسية البوارج، التي يعتبر ترامب أنها "من مصلحة الأمن القومي الحيوية للولايات المتحدة" وفق ما قال تبريراً للضربة الصاروخية الأميركية على مطار الشعيرات العسكري في محافظة حمص في 6 نيسان/ أبريل. وبعد ساعات من قصف المطار السوري، كان ترامب يأمر بإبحار حاملة الطائرات "يو إس. إس. كارل فنسن" نحو غرب المحيط الهادئ تحسباً لقيام كوريا الشمالية بتجربة نووية سادسة أو إجراء تجارب على صواريخ باليستية ربما تكون في يوم ما قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية. وفي خطوة ذات مغزى بالغ الدلالات، اتخذ الرئيس الأميركي قرار إرسال حاملة الطائرات خلال إستضافته الرئيس الصيني شي جينبينغ في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا.  



متاعب مع الصين

ولا تنتهي متاعب ترامب عند حدود كوريا الشمالية فقط، بل إن أميركا رسمت خطاً أحمر لبكين في بحر الصين الجنوبي حيث يدور نزاع إقليمي مع اليابان حول أرخبيل باراسيلز. ولم تتوان واشنطن عن إرسال سفن حربية إلى المنطقة، بينما لا يخفي المسؤولون الأميركيون قلقهم من النزعة العسكرية لشي جينبيغ ولا سيما منذ تدشين الصين أول حاملة طائرات لها "لياونينغ" عام 2016 وإعلان عزمها بناء حاملة طائرات ثانية. كما أن أميركا ترفض أي نشاط عسكري للصين في جزر سبراتلي في بحر الصين الجنوبي والتي تتنازع عليها مع كلٍ من فيتنام والفيليبين وبروناي وماليزيا.

والمواجهة الأميركية مع الصين تمتد من الضغوط العسكرية إلى استخدام ورقة الضغط الإقتصادي. وحاول ترامب على عكس ما أطلقه من تهديدات خلال حملته الإنتخابية، أن يسترضي الصين إقتصادياً ويتراجع عن اتهامها بالتلاعب بقيمة عملتها الوطنية "اليوان" كي تشجع صادراتها. وذهب إلى الحديث عمّا استجد من "كيمياء جيدة جداً" مع نظيره الصيني.

وليس الإقتصاد وحده أو المسألة الكورية الشمالية هما العاملان اللذان يدفعان ترامب لتبني مواقف إيجابية من الصين. إذ يستخدم الأخير التقارب مع الصين الآن من أجل زيادة الضغط على روسيا. وكان ملاحظاً أن الصين لم تتشارك مع موسكو في استخدام الفيتو ضد مشروع قرار أميركي-بريطاني-فرنسي يندد بسوريا في مجلس الأمن الأربعاء على خلفية التقارير عن الهجوم الكيميائي في خان شيخون في 4 نيسان/ أبريل.

لكن لا تزال للصين مخاوفها من التمدد العسكري الأميركي في المحيط الهادئ وشبه الجزيرة الكورية. والصين تشارك روسيا مخاوفها من بدء الولايات المتحدة في نشر نظام "ثاد" الصاروخي المضاد للصواريخ في كوريا الجنوبية تحت ذريعة الإستعداد لاحتمالات نشوب حرب مع كوريا الشمالية. وتبدو هذه نقطة خلاف من الصعب تجاوزها بين البلدين خصوصاً أنّ لا مؤشرات توحي باتجاه المشكلة في شبه الجزيرة الكورية نحو الخمود.  

.. ومتاعب مع روسيا

ومن المحيط الهادئ إلى البحر المتوسط، حيث تهدد دبلومسية البوارج بصدام مع روسيا. وإذا كان ترامب لجأ إلى الضربة الصاروخية كأساس يبني عليه في السياسة، فإن ثمة الكثير من المعوقات التي يمكن أن تحول دون ذلك. فالمصالح الروسية في سوريا ليست من المسائل العابرة، والرئيس فلاديمير بوتين يدرك جيداً أن إخراج روسيا من سوريا سيعني حرمان بلاده من المياه الدافئة التي قاتلت تاريخياً للوصول إليها مع ما سيجر ذلك من تدهور لمكانة روسيا في الساحة الدولية.

وانطلاقاً من هذه الإعتبارات الاستراتيجية لا يبدو الخيار العسكري الأميركي في سوريا بهذه السهولة التي قد تتبادر إلى أذهان صانعي القرار في واشنطن. والتدخل العسكري الأميركي سيتدحرج إلى مواجهة أوسع ليس مع روسيا فحسب وإنما أيضاً مع إيران التي تساند دمشق بقوة منذ 2011 وتعارض إطاحة النظام السوري بالقوة باعتباره جزءاً من محور المواجهة مع إسرائيل.

وتحت الضغط العسكري والتلويح بمزيد من العقوبات، تسعى إدارة ترامب إلى حمل بوتين على التخلي عن الأسد. بيد أن الجواب الروسي لوزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، كان تلك المقاربة التاريخية التي قدمها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف للتدخلات الأميركية التي أدت إلى إزاحة أنظمة تعتبرها أميركا أنظمة مستبدة من سلوبودان ميلوسيفيتش في صربيا عام 1999 إلى العراق عام 2003 إلى ليبيا عام 2011، من دون أن تؤتي ثمارها أو تفلح في تحقيق الإستقرار في هذه الدول بل كانت عامل زعزعة وتفتيت لها.

وإذا كان ترامب يمارس لعبة حافة الهاوية الآن في سوريا، فإنما غايته ليس فقط إسقاط الرئيس بشار الأسد ونقل سوريا بموقعها الإستراتيجي من محور إلى محور، إنما تلك حلقة أولى في سلسلة ستمتد لاحقاً إلى طهران وموسكو وتعيد مجد "الثورات الملونة" التي عادت بعض طلائعها مؤخراً لاستئناف نشاطها في المدن الروسية تحت شعار محاربة الفساد.

وربما لهذا السبب لن تكون مهمة ترامب سهلة لا في سوريا ولا في شبه الجزيرة الكورية. إنه صراع أوسع وغاياته أبعد.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً