حقيقة المناطق الآمنة

موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني
حقيقة المناطق الآمنة ليست المناطق الآمنة من نِتاج الأزمة السورية وحدها، وليست اختراعاً منعزلاً عن سياسات استعمارية قديمة – جديدة تستهدف سيادة الدول واستباحة حدودها وتوظيف ذلك في هذا الصراع الإقليمي، الدولي أو ذاك..
يمكن قراءة ما يُسمّى بالمناطق الآمنة في سوريا وربطها، هذه المرة، بأجندة مركّبة تصبّ كلها في خدمة العدو الصهيوني
يمكن قراءة ما يُسمّى بالمناطق الآمنة في سوريا وربطها، هذه المرة، بأجندة مركّبة تصبّ كلها في خدمة العدو الصهيوني
في مرات سابقة، كانت لعبة الألوان هي لعبة المتروبولات الاستعمارية المُفضّلة للتقسيم والتفكيك والهيمنة، بل إن سوريا التاريخية (سوريا الحالية والأردن ولبنان وفلسطين) كانت أول مَن استهدفتها هذه اللعبة وفق خرائط سايكس – بيكو بين الاستعمارَين البريطاني  والفرنسي (اللون الأحمر واللون الأخضر، وهكذا). وفي مرة أخرى، كانت (الأبجدية) هي الشكل الآخر لهذه اللعبة، كما في اتفاقية أوسلو (المناطق أ و ب و ج)، و من ذلك أيضاً، تحويل المناطق الحدودية إلى محميات (طبيعية)، بل إن دولة مثل الأردن تضمّ عشرة محميات، من شماله إلى جنوبه. وتُعدّ المناطق الحرّة (اقليم العقبة) والمناطق الصناعية المؤهّلة (تشترط نسبة من المدخلات الإسرائيلية) شكلاً من اللعبة المذكورة.

كما شهدت العراق وليبيا ويوغوسلافيا (قبل تدميرها وتفكيكها) اختلاقات سافِرة باسم حظر الطيران وخلافه. أما أخطر هذه الأشكال، فهو الذي أسماه الجنرال الأميركي، رالف بيترز، بحدود الدّم، وهي الإسم الجديد لما يُعرف بـ (البافر ستيت) ومنها القواطع الطائفية الدموية الإجرامية، كما إمارات القاعدة أو جبهة النصرة، في القلمون والقصير والإمارة المدعومة من الموساد قرب الجولان،  وكما عصابات داعش في الرقة و الموصل.. وحسب تقرير لجريدة القدس العربي في 30/6/2015، حاولت (إسرائيل) اختلاق ممرّات آمنة مع البادية السورية وشمال الأردن وحوض اليرموك، والتواصل مع إقليم كردستان ومناطق في السويداء، حيث تولّى دروز جبل العرب مُجابهة هذا السيناريو والتصدّي له.

في ضوء ما سبق يمكن قراءة ما يُسمّى بالمناطق الآمنة في سوريا وربطها، هذه المرة، بأجندة مركّبة تصبّ كلها في خدمة العدو الصهيوني، بل إن سيناريو تحطيم العراق وإشعال الحرائق في سوريا مُقدّمة لتمزيقها، مُصمّم أصلا لاستراتيجية العدو الصهيوني لتجديد نفسه ودوره من خلال ما يُعرف بـ كونفدرالية الأراضي المُقدّسة والأردن الكبير، الإسم السرّي لإسرائيل الكبرى. إلى ذلك، إذا كان اللاجئون السوريون هم الهدف من فكرة المناطق الآمنة، فلماذا لا يعودون إلى قراهم  ومدنهم، ويعيشون حياتهم بشكل طبيعي، كما يعيش بقية السوريون الذين لم يهاجروا.. ولقد بات واضحاً أن مُشعلي الحرائق السورية هم الذين يُعيقون هذا الحل من أجل تمرير سيناريو المناطق الآمنة المشبوهة وما ينطوي عليه من دسائس:

1- رغم أن القانون الدولي يُميّز بين اللاجئين (خارج البلد المعني) وبين النازحين (حركة السكان داخل البلد)، ويرتّب على ذلك مسؤوليات مُتفاوتة، إلا أن هذا القانون يوفّر قدراً من التدخّل الدولي في الحالين، الأمر الذي يُفسّر حرص رُعاة هذا (القانون) من الإمبرياليين والصهاينة على حكاية المناطق الآمنة.

2- إذا كانت المرحلة الأولى من دعوة المناطق الآمنة قد استهدفت تحشيد اللاجئين  والنازحين في تجمّعات مُعيّنة خارج الحدود أو على أطرافها الداخلية، من أجل تجنيد الآلاف منهم في الجماعات المُسلّحة وتوظيفهم ضدّ الدولة السورية، فإن المرحلة الثانية من هذه الدعوة تستهدف تكريس المحميات العسكرية والحدود المُستباحة، وتوفير الغطاء الدولي للتدخّل الدائم والتعاطي مع سوريا كمربّعات بشرية برسم التقسيم. والأخطر هنا، ما يُراد لها من بافر ستيتات عازلة هنا وهناك، بدواعٍ إنسانية تشبه المحميات الطبيعية، في إساءة أيضاً لهؤلاء النازحين، الذين يظهرون كما لو أنهم يعيشون في معسكرات احتجاز مؤقّت.

3- كما توفّر هذه المناطق مناخات (آمنة) لنشاط الجواسيس والدوائر الاستخباراتية،  والمطلوبين بجرائم القتل الجماعي الإرهابية.

4- كما أن وجود هذه المناطق بحد ذاتها، انتقاص من سيادة الدولة وحقها في بسط هذه السيادة على إقليمها ومواطنيها، ويفتح الباب واسعاً لشتّى التوصيفات الدارجِة بحق الدولة المُستهدفة، ومنها توصيف (الدولة الفاشلة)، الأمر الذي يسمح للقوى الدولية المتورّطة، بممارسة كل أشكال الضغط والإبتزاز ضدّها، من الحصار الإقتصادي، إلى التضييق على حقوقها وممثّليها في اللجان والهيئات الدولية، إلى التدخّل العسكري، المباشر وغير المباشر.

5- ومن قبل ومن بعد، فإن الأزمة السورية، ابتداء، أزمة مختلقة من أطراف إقليمية  ودولية، ولا تزال هذه الأطراف تُمارس السياسات نفسها وتسعى إلى الأهداف المُبرمَجة من وراء إشعالها.
 

وهي الأطراف ذاتها التي ترفع عقيرتها صباح مساء حول المناطق الآمنة، فلسنا إزاء أطراف مُحايدة أو مُكلّفة من قِبَل مجتمع دولي (مُحايد) للبحث عن حلول (مؤقّتة) مقبولة، بل إزاء الأطراف المسؤولة عن تفجير الأزمة منذ يومها الأول.



إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً